في السابع من سبتمبر 2024، جدّد الشعب الجزائري ثقته في رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وانتخبه لعهدة رئاسية ثانية. وقد كان لهذا الحدث الهام انعكاساته الإيجابية على أصعدة عديدة، من بينها الثقافة، حيث اعتُبر التجديد لرئيس الجمهورية تمكينا له من مواصلة استراتيجيته في سبيل النهوض بالقطاع الثقافي بمختلف مجالاته، وتعزيز الإنجازات التي تحققت، والتطلع إلى مزيد من المكتسبات للمثقفين والفنانين الجزائريين.
لا شك في أنّ رئاسيات سبتمبر المسبقة كانت واحدة من أهم الأحداث التي شهدها هذا العام، وإذا كان لهذا الاستحقاق أهميته السياسية والاقتصادية، فإن له أهمية ثقافية، بالنظر إلى ما قدمه رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون للثقافة والفنون في الجزائر.
الـتـزام رئـاسـي بـترقية الـثّـقافة
شكّلت الثّقافة محورا رئيسا ضمن في الالتزامات 54 التي قدمها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، لمّا ترشح في رئاسيات 2019. ومن الأمثلة عن ذلك، نذكر الالتزام 20 “الإنتاج الفكري والثقافي والفني لخدمة النمو الاقتصادي”، الذي أكّد على “تطوير الصناعة السينمائية والثقافية من خلال حوافز وتدابير جذابة لصالح المنتجين لأول مرة”، و«تشجيع الخبرة الوطنية في مجال الصناعات الثقافية والفنية للحد من تقديم الخدمات المستوردة”، و«تشجيع إنشاء استوديوهات الصناعة السينمائية واستوديوهات التسجيل وقاعات المسرح والعروض من خلال الحوافز الضريبية والمصرفية (مع إمكانية اللجوء إلى الشراكة)”، و«خلق بيئة مواتية لظهور ونمو المواهب الفنية لاسيما من خلال تشجيع مسارات تكوين دراسية وجامعية فنية وخلق شهادة بكالوريا فنية”، و«إحصاء مفصل حقيقي للإنتاج الصناعي والثقافي والفني الوطني ووضع دليل يتم تحديثه سنويا للإنتاج الصناعي والحرفي الوطني”.
أما الالتزام 46 “تعزيز الثقافة والأنشطة الثقافية”، فأكّد على دعم ومرافقة الإبداع الفني والأعمال الثقافية، وتحسين شبكة الهياكل القاعدية، ودعم ومرافقة المبادرات التي يطلقها الفنانون الشباب من خلال وضع آليات الدعم وتشجيع الإبداع، وتثمين مهنة الفنان وكل الفاعلين في مجال الثقافة، وترقية دورهم الاجتماعي ووضعهم القانوني.
وقد حرص رئيس الجمهورية على الوفاء بالتزاماته وتجسيدها، من أجل النهوض بالمشهد الثقافي والفني الجزائري، وهو ما تكرّس في مكتسبات عديدة.
دسـترة الـتّراث الـثّــقــافي
ولعل من أهمّ إضافات رئيس الجمهورية لمسألة حماية التراث، المادة 45 الجديدة في الدستور الجزائري لسنة 2020، ونصّها: “الحق في الثقافة مضمون للمواطن. تحمي الدولة التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي وتعمل على الحفاظ عليه”. وقد فتحت دسترة التراث الثقافي الباب لمراجعة وتحيين الإطار القانون لحماية التراث.
وعرف جوان الفارط انتخاب الجزائر بالإجماع لعضوية لجنة التراث الثقافي اللامادي لعهدة 2024 ـــ 2028 باليونسكو. واعتُبر ذلك اعترافا بدور الجزائر في مجال صون التراث وطنيا ودوليا، ودليلا على ثقة المجتمع الدولي بالجزائر وبجدية سياستها الوطنية في المحافظة على موروثها الثقافي غير المادي الغني وتنميته وتطويره. كما أصبحت الجزائر مثالا يقتدى به في عديد الدول، وخصوصا في القارة الإفريقية لإنشاء بنوك للمعلومات، وهو ما أدى باليونسكو إلى الموافقة على احتضان الجزائر “المركز الإقليمي الإفريقي لصون التراث اللامادي الصنف 2”، وهذا الأخير يعدّ اعترافا بدور الجزائر المحوري في القارة.
ووجب تثمين جهود الدولة في حماية تراثنا الثقافي المادي وغير المادي من المحاولات البائسة للسطو عليه، وهي جهود تكلل بالنجاح في كل مناسبة.
الـفـنّـان والـتّـكوين الـفنـي
التزم رئيس الجمهورية، منذ عهدته الأولى، بخلق بيئة مواتية لنمو المواهب الفنية، وتشجيع مسارات تكوين فنية. وقد سهر السيد الرئيس على الوفاء بالتزاماته، ومن ثمار ذلك صدور القانون الأساسي للفنان في مرسوم رئاسي.
ويهدف هذا القانون إلى تحديد حقوق وواجبات الفنان، كما تطرق إلى الحماية الاجتماعية للفنان، وتحديد وتحيين مدونة المهن الفنية بموجب قرار من الوزير المكلف بالثقافة، بعد موافقة المجلس الوطني للفنون والآداب عليها، وهو ما تمّ بالفعل صيف 2024. وتشمل المدوّنة مجموع المهن التي يمارسها الفنان في مجاله الفني أو الأدبي أو التقني أو الإداري، في الابداع أو إعادة الابداع الفني، وتضمّنت 222 مهنة، تغطي 9 مجالات فنية، من بينها مجالان جديدان هما “فنون الشارع” و«الفنون الرقمية”.
وتجسّد الالتزام العشرون من التزامات رئيس الجمهورية، بخصوص التأسيس لبكالوريا فنية، في الثانوية الوطنية للفنون الشهيد الفنان “علي معاشي”، واستحداث “شعبة الفنون” في مرحلة التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، بهدف “تنمية وصقل مواهب التلاميذ الفنية وتطويرها، وإكسابهم ثقافة تمكنهم من فهم الأبعاد الثقافية، التاريخية والجمالية للإبداعات الفنية وترقية البعد الفني، وإعطائه مكانة في النظام التربوي الجزائري”. ويدرس التلميذ الموجه إلى هذه الشعبة “مواد تعليمية مميزة في المجال الفني، ترفق كل واحدة منها بمعامل وحجم ساعي يجسدان تميزها، إلى جانب مواد تعليمية مشتركة مع شعب السنة الثانية ثانوي ليتوج هذا المسار الدراسي بشهادة بكالوريا التعليم الثانوي في أحد الخيارات الأربعة”.
وكان هذا العام موعدا لأول بكالوريا فنون في تاريخ الجزائر، حيث سجّلت ثانوية “علي معاشي” نسبة نجاح في دورة 2024 بلغت 79,45 بالمائة (شعبة المسرح بنسبة 94,29 بالمائة، شعبة الفنون التشكيلية بنسبة 82,50 بالمائة، شعبة السينما بنسبة 81,25 بالمائة، شعبة الموسيقى بنسبة 61,54 بالمائة).
وبإمكان الناجحين مواصلة دراستهم الجامعية في المعاهد المتخصّصة، على غرار المعهد العالي لمهن فنون العرض، والمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، والمعهد الوطني العالي للموسيقى “محمد فوزي”، دون أن ننسى المعهد العالي للسينما “محمد لخضر حمينة”، الذي فتح أبوابه في الموسم الجامعي 2024-2025.
قانــون الصّناعة الــسّينماتـوغرافية
وشهد هذا العام صدور القانون المتعلق بالصناعة السينماتوغرافية (القانون رقم 24-07 المؤرخ في 29 أبريل سنة 2024)، الذي جاء لتأطير ممارسة مختلف النشاطات المتعلقة بالصناعة السينماتوغرافية.
وتضمّن القانون جملة من التدابير لدعم الصناعة السينماتوغرافية، من خلال تشجيع وترقية الاستثمار والشراكة، على غرار إمكانية استفادة المستثمرين في هذا المجال من الأملاك الخاصة للدولة وأملاك الجماعات المحلية من أجل إنجاز مدن سينمائية ومركبات العرض السينمائي. أما على الصعيد المهني، فقد وُضع لأول مرة إطار قانوني لمهنيي السينما.
كما أوكل القانون إلى الوزير المكلف بالثقافة مهمة القيام بإعداد السياسة الوطنية في مجال الصناعة السينماتوغرافية والسهر على تنفيذها، ومن بين أهدافها التطوير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للصناعة السينماتوغرافية، وتكييفها مع التطورات والابتكارات التكنولوجية، وترقية الاستثمار فيها، والرفع من القدرات التنافسية للسينما الجزائرية وتنوع الإنتاج السينمائي الوطني، وترقية الذوق الفني والثقافة السينمائية للمواطن الراسخة في القيم الوطنية والمتفتحة على العالم، والحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز اللحمة الوطنية، وتثمين الأحداث التاريخية ومآثر المقاومة الوطنية والثورة التحريرية، والتعريف بالتاريخ وتثمين الذاكرة الوطنية.