“تـــيـــيـــفـــوســـين” أو “تـــيـــنـــقــــاس”.. قـــصـــص وحـــكـــايــــا إيمـــوهــــــاغ

ملاحم المجتمع التّارقي الخالدة وسِيَر النّبلاء

تمنغست: محمد الصالح بن حود

 

السرد الشعبي الجزائري.. دعوة إلى إعادة النظر في الأسس النقدية

تعتبر أحد أعمدة التراث الشفهي المحكي بجانب القصائد، منضوية تحت قبة ما يعرف بالتراث الاجتماعي، يُبنى عليها كل شيء لكونها تتناول قصص الأبطال والزعماء والفرسان، وسيرهم وقصص حياة الملوك والأمراء، بحسب ما صرّح به الباحث والمهتم بالثقافات الشعبية مولود فرتوني لـ«الشعب”.

”تينفوسين” أو “تيناقس” قصص وحكايات تصنف ضمن الزخم المتعدّد والكبير الذي يزخر به التراث اللامادي للمجتمع التارقي “إيموهاغ”، تعد محل اهتمام عدد من الباحثين والمهتمين بالتراث رغم قلتهم، سعيا منهم للحفاظ عليها بالنظر للأهمية التي تكتسيها في جميع نواحي ومجالات مجتمع إيموهاغ، في ظل قلة المعلومات المدونة عنها.
الــــقــــصــــص الـــشـــعـــبـــي الـــتـــارڨي.. انـــعـــكـــاس لـــتــجـــارب إنـــســـانــيـــة
يؤكد مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “برادعي مولاي أحمد” بعاصمة الأهقار، سنوسي كرزيكة في حديثه لـ«الشعب” أن القصص الشعبية التارڨية ليست مجرد أداة للتفكير النظري المجرد، بل هي إطار فكري غني ومتعدد الأبعاد يعكس رؤى عميقة وقيمًا إنسانية تطورت عبر آلاف السنين لدى مجتمع “إيموهاغ”.
يضيف المتحدث، فهي ليست مجرد تفكير نظري بعيد عن الواقع، بل هي انعكاس لتجارب إنسانية عميقة وعلاقات معقدة بين الإنسان التارڨي “أماهغ” والمجتمع والطبيعة، أي إنها فلسفة تعزز القيم الإنسانية، وتقدم حلولًا مبتكرة للتحديات المعاصرة، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.
ويقول سنونسي كرزيكة في نفس السياق، من خلال فهمنا لهذه الفلسفة، يمكننا أن نتعلم دروسًا قيمة حول التعايش والعدالة، والاحترام المتبادل، ليس فقط في الجزائر وإفريقيا، ولكن في العالم بأسره.
ســـــمـــــات “تـــيــــنـــفـــــوســــــــين”
يرى الباحث والمهتم بالتراث والثقافة المحلية، سنوسي كرزيكة، أن ما يميز هذه القصص والحكايات من الأدب، هو تركيزها على مفاهيم مثل الجماعية، حيث تُعلي من شأن المجتمع والعلاقات الإنسانية والقبلية والهوية أو ما يطلق عليه بالتارقية “توماست”، ونجد من الفردية المفرطة في الترحال والرعي والسفر “أسوف تينيري”، أو ما يسمى “الحنين للصحراء”
 كما أنها تُقدم نظرة شمولية للحياة، يضيف المتحدث فهي تربط بين الإنسان والطبيعة والروحانيات، مما يعكس فهمًا عميقًا للتوازن بين هذه العناصر وكيفية تفاعلها في تشكيل وجود الإنسان التارڨي “أماهغ” محملاً بأرقى أدب أخلاقي روحي منذ القدم.
يواصل المتحدث سرده لأهم ما يميز “تينقاس”، مؤكدا في هذا الشأن أن من أبرز سمات الأدب القصصي التارڨي ارتباطه الوثيق بالتقاليد الشفوية، حيث يتم نقل الحكمة والمعرفة عبر الأجيال من خلال القصص والأساطير والأمثال.
فهذا النهج الشفوي – يقول المتحدث -  لا يقل أهمية عن النصوص المكتوبة، بل إنه يعكس طريقة تفكير تعتمد على السياق والتجربة الحية، مما يجعلها فلسفة قريبة من الواقع اليومي للناس “تينقاس” و “اينهيتن” أي الأمثال والحكم، و “تينظار” أي الألغاز، بالإضافة إلى ذلك تهتم القصص التارڨية للرجل والمرأة التارڨية بمواضيع جوهرية مثل البيئة الصحراوية والعدالة الاجتماعية، والأخلاق، والهوية، حيث يتم استكشاف هذه المفاهيم من خلال عدسة ثقافية أدبية تعكس تجارب الشعوب التارڨية وتاريخهم الغني.
فالقصص والحكايات الشعبية التارڨية ليست كتلة واحدة موحدة، بل هي متنوعة باختلاف وتماسك وارتباط الثقافات الإقليمية لتوزيع التوارق “إيموهاغ” في القارة الأفريقية والعالم.
فكل مجموعة إثنية أو ثقافية يؤكد سنوسي كرزيكة، لديها رؤيتها القصصية الخاصة التي تعكس تاريخها وبيئتها، ولكنها تشترك في قيم أساسية مثل احترام الأسلاف والقيم الحضارية والإنسانية والتشابه الكبير في مختلف العادات والتقاليد، والتوازن مع الطبيعة. مما يجعل هذا التنوع ـ يضيف المتحدث ـ يضفي غنىً كبير على الأدب التارڨي ويجعله مرآة تعكس تعددية الأفكار والتجارب داخل المجتمع.
أنــــواع وألــــوان “تـــيـــنـــقـــــــاس”
أكد الشاعر مولود فرتوني لـ«الشعب” أن ما يميز مجتمع “إيموهاغ” العديد من القصص منها مثلا ما يسمى بـ«أساطير النشأة”، كأسطورة نشأة “تيفيناغ” وأسطورة نشأة “إيمزاد” وغيرها.
ويقول بأن هناك القصص الطويلة، وأبرزها قصة أو حكاية “أماملن دلياس” والتي تعتبر أطول قصة شفهية نظرا لتعدد الروايات والأحداث فيها، والتي تتراوح بين كونها قصة من قصص النشأة الأولى للمجتمع وأيضا لها علاقة بنشأة تيفيناغ، حتى إنه يقال إن “أماملن” هو مخترعها من أجل أن يراسل حبيبته “تالا”، وهو ما حاول أن يشير له الكاتب عمر الأنصاري في كتابه الروائي “حرز تالا”.
كما أنه هناك قصص للأماكن والوديان والجبال وقصص الحيوانات والقصص الهزلية المضحكة كقصص “بركة” وكل قصص لها تمييزها ـ يضيف المتحدث ـ في هذا الشأن أن من أبرز القصص التي يمكن أن يعطى بها مثال، هي قصص الجبال العاشقة أو المتصارعة كجبلي، “ايلامان” و«تاهات” وغيرها، وقصص الجن أو صراع الإنسان مع الجن.
أدبـــيـــات الجــــن في مــــنــــطــــقـــــة تــــامــــنــــغــــســـــت
وفي سياق متصل، استعرض صاحب رواية “سرهو” بعض من أدبيات الجن في المنطقة، على غرار قصص جبل “أودان” بمنطقة “إديهي نانلا” بمعنى (واد الحنة) نسبة لمنطقة موجودة في المكان ذاته (تيقديت نابيك)، وأحداث الرواية على لسان راويها تقول: إن رجلا نزل بأغاريس (سهب صغير) بواد “إديهي نانلا” نزل عن حصانه ورأى امرأتين من الجن واحدة تمشط للأخرى شعرها، وراقبهما على حذر حتى تأكد أنهما فعلا موجودتان وهو لا يتخيل ذلك، فعزم على أن يمسك واحدة منهما مهما كلفه الأمر، وخرج عليهما بحصانه وطاردهما، وانطلقت كل واحدة في اتجاه لتضليله ولكنه ظل على إثر واحدة حتى أدرك حصانه شعرها الطويل وتوقفت بعدما دهسه الحصان لأنه كان يتماوج خلفها وأمسك بها وحملها معه إلى دياره.
 ليكتشف أنها لم تكن تتكلم ولكنها تفهمه إن أشار إليها، فاتفق معها على الزواج فقبلت ذلك وعاش معها مدة فأنجبت له طفلين جميلين، رغم السعادة التي أدخلها طفلاه إلى قلبه بقي يتمنى أن يتكلم مع زوجته ويشاورها وتشاوره، وذهب إلى ما يصطلح عليه في المنطقة بـ«الفقي” أي (الحكيم أو الطالب أو العارف) وأخبره بقصته وأشار عليه الحكيم أن أمسك بأعز الطفلين إلى قلبها وتظاهر بأنك ستذبحه وأخبرها أنها إذا لم تتكلم ستذبحه، وأعمل على ذلك العزم، ولما انحنى على الصغير بدأت تتمتم بأصوات غير مفهومة ثم تقيأت قطعة دم كبيرة وبعد برهة نطقت قائلة:
سأتكلــم.. سأتكلم  فلا تذبحه
وتكلمت وقالت له سأتكلم معك ولكن أوصيك بثلاث وصايا

لا تقدم لأبنائي الطعام الماكث أكثر من يوم
ولا تقدم لهم آخر الماء المتبقي في القرب
وأن لا ينام أبنائي في الأماكن القذرة

فقبل وصاياها وذهب للحكيم وأخبره أنها تكلمت، فقال له الحكيم وأزيدك وصية رابعة وهي أن لا ترم التراب في وجهها مهما حدث حتى ولو أغضبتك، وهكذا عاش مع عقيلته الجنية بشكل طبيعي واستمرت بهم الحياة ونسي أمر الوصية الرابعة تماما، وفي غفلة منه حدثت مشادة كلامية وقام برمي التراب في وجهها، وفي لمح البصر اختفت الزوجة كأن لم يكن لها وجود.
يضيف صاحب الديوان الشعري “على باب عشقها”، أن مثل هذه القصص تعتمد على النهايات المفتوحة وخصوصا هذه المربوطة بعالم الجن، في المسرود الحكائي للمجتمع التارقي وفي لذة السرد تنهار القصة وتنتهي.
ليخلص صاحب المجموعة القصصية “الأخير من سلالتهم”، أن الراوي في القصة يستطرد على أنها برغم خرافيتها حملت لنا بعض العبر عن أدبيات التنشئة لدى مجتمع إيموهاغ، كعدم أكل الطعام الباقي من الليل، وعدم شرب المياه المتبقية في آخر القربة لأنها تضر من جراء ما تخلفه القربة من “شويعرات” وبقايا وترسبات مائية، وذكرت عدم المبيت في الأماكن القذرة، كما أشارت للطريقة التي كانت تستعمل قديما  لدى بعض الناس في احتقار الآخر وهو رمي التراب في وجهه، وبذلك عدم رمي التراب في وجه من تحترم.
في السياق نفسه، يقول فرتوني إن هذه قصة أظهرت لنا العلاقة المستحيلة بين مخلوقات الجن والإنسان، كما حاول الحكواتي البسيط أن يقدم لنا عن إمكانية تعايش الإنسان ومخلوقات الجن، فالقصة تنتمي لقصص الجن المتعلق بجبل “اودان” أو “قارة الجن”.
وهو ما يؤكده سنوسي كرزيكة في نفس السياق، بأن القصص والروايات الشعبية التارڨية في نظره، هي دعوة لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الحياة والمجتمع، واستلهام الحكمة من تراثنا القصصي الغني والمتنوّع.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19738

العدد 19738

الأربعاء 02 أفريل 2025
العدد 19737

العدد 19737

السبت 29 مارس 2025
العدد 19736

العدد 19736

الجمعة 28 مارس 2025
العدد 19735

العدد 19735

الأربعاء 26 مارس 2025