كان عام 2024 حافلًا بالتّتويجات والإنجازات الثقافية والفنية التي عزّزت مكانة بلادنا على الساحة الإقليمية والدولية.
الفنون والآداب، من سينما ومسرح وأدب شهدت تطورًا لافتًا، حيث استطاعت الجزائر أن تحتفظ بموقعها كداعم أساسي للهوية الثقافية العربية والإفريقية في هذا العام، وبتتويج العديد من المبدعين الجزائريين في مختلف المجالات، سواء على مستوى الأفلام السينمائية أو الجوائز الأدبية. كما شهدت الجزائر حضورًا مميزًا في المهرجانات الدولية، حيث توّجت أفلام جزائرية بالجائزة الكبرى، بينما برز الكتاب الجزائريون في الساحة الأدبية العربية، وهو ما يعكس الإبداع المستمر في مختلف مجالات الثقافة والفن.
الـسـينــمـا..تتويجات بالجملة
أثبتت السينما الجزائرية في عام 2024 جدارتها على الساحة الدولية، حيث تميّزت الأعمال السينمائية الجزائرية بالعمق الفني والرسائل الإنسانية التي حملتها. ومن أبرز الإنجازات كان فوز الفيلم الطويل “196 مترًا” للمخرج شكيب طالب بن ذياب بالجائزة الكبرى في مهرجان “فيلكرز رود آيلاند” السينمائي الدولي بالولايات المتحدة الأمريكية. شارك الفيلم الذي تناول قصّة إنسانية مع آلاف الأعمال السينمائية من مختلف أنحاء العالم، ليحصل على هذا التكريم الكبير عبر هذا التتويج الذي يُعتبر إنجازًا هامًا للسينما الجزائرية، ومؤشرًا آخر على الانتعاش الذي يعرفه هذا القطاع الحيوي في السنوات الأخيرة. وعكست هذه المشاركة من جهة أخرى المستوى الرفيع الذي تكنه السينما الجزائرية، والذي أهلها للحصول على هذه الجائزة المهمة.
كما شهد مهرجان الأقصر في مصر عرض فيلم “زهرة الصحراء” لمخرجه أسامة بن حسين، الذي لاقى إشادة واسعة من النقاد والجمهور، وتوّج بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة الفيلم الروائي القصير في الدورة 13 لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بمصر. ويتطرق هذا الفيلم في 26 دقيقة للتجارب النووية الفرنسية في الصحراء جنوب الجزائر (رقان وما جاورها)، والكوارث التي تسبّبت بها لساكنة تلك المناطق ولبيئتها أيضًا، والتي لا تزال نتائجها مستمرة إلى اليوم، فهو بمثابة تنديد وتذكير بالجرائم والفظائع التي ارتكبتها فرنسا إبان احتلالها للجزائر.
وتعكس هذه النجاحات تزايد اهتمام السينما الجزائرية في المهرجانات الدولية، التي لم تكن لتتحقق لولا الدعم المستمر لصناعة السينما في الجزائر. ومن خلال عدة قرارات يُنتظر تجسيدها للارتقاء بهذا القطاع نحو الأفضل، خاصة بعد الإعلان عن إعادة فتح صندوق دعم السينما والآداب والفنون “فداتيك” في إطار قانون المالية لسنة 2025، حيث يعكس هذا القرار الإرادة الحقيقية لتعزيز السينما كأداة ثقافية هامة، ممّا يفتح الأفق أمام المبدعين الجزائريين لتقديم أعمال جديدة ومتنوعة.
وفي مهرجان نواكشوط السينمائي في موريتانيا، حصل الفيلم القصير الجزائري “همسات الفجر”، للمخرج الجزائري كمال رويني، على جائزة أفضل فيلم قصير، ليضيف إنجازًا جديدًا للسينما الجزائرية في الساحة الإفريقية. يظهر الفيلم براعة الإخراج الجزائري في تقديم موضوعات إنسانية تلامس القلوب، وينقل المشاهد إلى عوالم تعج بالإنسانية، وتوثق لمحنة الشعب الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي.
تتـويج مـبدعين جزائـريّـين بجائزة “كتــارا”
من جهة أخرى، برز الأدب الجزائري في عام 2024 بشكل قوي على مستوى الجوائز الأدبية العربية، في جائزة “كتارا للرواية العربية”، التي تعد واحدة من أبرز الجوائز الأدبية في العالم العربي. تمّ تتويج ثلاثة كتاب جزائريين في فئات مختلفة، حيث فاز الكاتب قويدر ميموني بجائزة الرواية غير المنشورة عن روايته “إل كامينو دي لا مويرتي”، أما في فئة الدراسات النقدية، فاز بلقاسم عيساني بجائزة عن عمله “الفكر الروائي”، كما فاز الكاتب أبوبكر حمادي بجائزة رواية الفتيان عن روايته “أنا أدعى ليبرا”.
هذه الجوائز تبرز قوة الأدب الجزائري وقدرته على التفاعل مع مختلف القضايا الفكرية والثقافية، كما تعكس عمق التجربة الروائية الجزائرية واهتمام الكتاب الجزائريين بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وهو ما جعلهم يتفوقون في محافل أدبية مرموقة على مستوى العالم العربي. كما تمنح هذه الجوائز من جهة أخرى الأدب الجزائري فرصة أكبر للوصول إلى القارئ العربي والعالمي، وتساهم في تعزيز مكانته كأحد أبرز الأدب العربي.
جائزة مجمّــع الملـك سلـمان للغة العـربيـة
من جانب آخر، لم تقتصر إنجازات الجزائر على السينما والأدب فقط، بل امتدّت أيضًا إلى مجالات اللغة العربية، حيث فاز رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، الدكتور صالح بلعيد، بجائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية لعام 2024. وقد تمّ تتويج الدكتور بلعيد في فئة الأفراد ضمن فرع “نشر الوعي اللغوي وإبداع مبادرات مجتمعية لغوية”، وذلك تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في خدمة اللغة العربية وتعزيز الهوية اللغوية.
في خطوة أخرى لتعزيز الإشعاع الثقافي للجزائر، تمّ الإعلان هذه السنة عن تأسيس أوركسترا الجزائر السيمفونية الدولية، التي ستجمع موسيقيين جزائريين مقيمين في الخارج، مع عازفين من أكبر فرق الأوركسترا العالمية، بهدف نشر الموسيقى الجزائرية في العالم وتعزيز حضورها الثقافي على الصعيد الدولي.
وبذلك، يؤكّد عام 2024 أنّ الجزائر تواصل مسيرتها في تحقيق التميز على الساحة الثقافية والفنية الدولية، فمن خلال الإنجازات السينمائية والجوائز الأدبية واللغوية، تمكّنت الجزائر من تعزيز مكانتها كداعم رئيسي للإبداع والفكر في العالم العربي. كما يظهر هذا العام بوضوح، أن الجزائر لن تكتفي بما هو محقّق، بل ستواصل بناء جسور من التبادل الثقافي والفني مع مختلف الثقافات والشعوب في العالم.