سجلت مواقع مغارات سعيدة ضمن عملية هامة تهدف الى تخطيط وحماية المواقع الأثرية. وتبرز من بين هذه المغارات مغارات تيفريت، المعروفة أيضًا بمغارات مشتت ماه، والتي تقع في بلدية عين السلطان بدائرة أولاد إبراهيم، قرب الطريق الوطني رقم 92، وعلى بعد 28 كم شمالي مدينة سعيدة. تقع هذه المغارات في مناطق مرتفعة من الجبال الصخرية والأودية، وتشكل جزءا من شلالات تيفريت، حيث تعد أشهرها هذه المغارة الواقعة على قمة جبلية صخرية، والتي تنتشر حولها نباتات الدوم جنوبي هذه الشلالات.
كان الموقع ملاذا للحيوانات ومنطقة مفضلة لاستقرار الإنسان في عصور ما قبل التاريخ، خاصة في مرحلة الإنسان الصياد، نظرا لتوافر المياه والغطاء النباتي. كما يعد الموقع مكانا ذي أهمية خاصة، نظرا لأن الشلالات دائمة الجريان.
تم تصنيف هذه المغارات ضمن التراث الوطني الجزائري في 11 سبتمبر 1996، حيث يبلغ عدد المغارات المصنفة سبعة، وهي متباعدة في أماكنها، وتحفظ العديد من النقوش الصخرية التي تجسد مشاهد لصيد الحيوانات مثل الثيران والظباء وطائر النعام. تحتوي المغارات أيضا على طبقات أثرية غنية تحوي تحفا وقطعا فخارية، بالإضافة إلى رسوم صخرية متنوعة تعكس أسلوب حياة الشعوب القديمة وعلاقتها بالطبيعة.
تعتبر هذه المغارات من أهم المواقع الأثرية في الجزائر، لما تحتويه من شواهد مادية توفر رؤى واضحة عن حياة الإنسان في عصور ما قبل التاريخ. استخدمتها الشعوب القديمة كملاجئ، مما يجعلها شهادة على حياة البشر في العصور الحجرية. كما تقدم الرسوم الصخرية الموجودة في المغارات نظرة فريدة حول تفاعل الإنسان مع بيئته، وتطور ممارساته الاجتماعية والدينية.
مدينة سعيدة تزخر بالعديد من الآثار والمعالم التاريخية التي تعكس أهميتها كموقع ملائم للعيش منذ العصور القديمة. تتوفر في المنطقة مصادر مياه وفيرة، مما جعلها موقعا مثاليا لاستقرار الإنسان، بالإضافة إلى التضاريس الجبلية، والتحصينات الطبيعية، والغطاء النباتي الكثيف، ووجود المغارات، التي وفرت ظروف ملائمة لاحتضان المجموعات البشرية في فترة ما قبل التاريخ.
وللحفاظ على المواقع وتوسيع برامج حمايتها من العوامل الطبيعية والبشرية بحسب ما أشار إليه سعدي حري محافظ منسق التراث الثقافي بمديرية الثقافة تم ادراج الموقع ضمن المسارات السياحية لزيادة وعي الزوار بأهميته التاريخية.
تقع مغارة وادي سعيدة الأثرية في بلدية سعيدة، جنوبا على بعد حوالي 3 كيلومترات من الطريق الوطني رقم 06، بمحاذاة صخرة كبيرة على الضفة اليسرى من الوادي. تتوسط المغارة ربوة مرتفعة وتتميز بمدخل عريض يتراوح عرضه بين مترين وثلاثة أمتار، بالإضافة إلى غرفتين داخليتين تنتهيان بمسلكين يشكلان زاوية قائمة مع الرواق.
تشير الدراسات الأثرية التي أجراها الباحثان الفرنسيان بواري ودو مارق عام 1893 إلى أن تاريخ المغارة يعود إلى حوالي 5000 سنة قبل الميلاد، حيث تم العثور على أدوات صيد وقطع حجرية مهذبة تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط. أظهرت عمليات التنقيب، وآخرها في عام 1904، بقايا عظام وأدوات حادة مصنوعة من العظم وأخرى من الصوان الصلب، إضافة إلى لُقى فخارية تؤكد أن المغارة كانت مأهولة في عصور ما قبل التاريخ.
تقع مغارة عين المانعة على بعد 24 كيلومترًا جنوب غرب مقر ولاية سعيدة، عبر الطريق الولائي رقم 24 مع انعطاف نحو قرية سيدي مبارك. تبعد المحطة الأثرية حوالي 3 كيلومترات من نقطة الانعطاف، وتوجد ضمن سلسلة صخرية طولها 150 متر وعرضها 50 مترًا. تضم المنطقة ربوات صغيرة وتقدر مساحة الحوض المحيط بها بهكتار واحد.
كانت مغارة عين المانعة مأهولة من طرف جماعات إنسان ما قبل التاريخ، حيث تدل أحجار الصوان المنتشرة في المنطقة على وجود ورش لصناعات العصر الحجري، مثل تهذيب الأدوات الحجرية. كشفت الحفريات الأثرية التي أجراها الباحثان دو مارق وبواري عام 1892 عن نصال، رؤوس سهام، وسكاكين استخدمت في الصيد، بالإضافة إلى نقوش حجرية تمثل مشاهد لصيد النعام والغزلان.
كما أظهرت الحفريات في وادي جديان القريب أدوات حجرية مصنعة من مواد مكشوطة وبقايا عظام وأوان فخارية نادرة، إلى جانب رسومات تمثل نعاما وأبقارا وغزلانا، مما يعكس أهمية هذه المنطقة كموقع أثري بارز.