يعدّ مسرح الهواة جزءا مهمّا من المشهد الثقافي الجزائري، حيث انخرط فيه أغلب الروّاد من باب الميل الشخصي والملكة الفطرية، في ظروف لم تكن تسمح للشباب الجزائري بالتعلّم أصلا، حيث اندفعوا إلى هذا العالم بحب وشغف، من خلال المدارس الحرّة التي انضمّ إليها بعض أبناء الجزائر كبديل عن المدارس التي أوصد المستعمر أبوابها في وجوههم”، حسب الدكتور محمد الأخضر سعداوي.
يؤكّد الدكتور محمد الأخضر سعداوي في تصريح لـ«الشعب” أنّه رغم ما واجهه الفنّانون الهواة خلال تلك الفترة من الحقبة الاستعمارية، إلا أنّهم اندفعوا بشغف إلى المسرح عبر المدارس الحرّة، مثل مدرسة “الفلاح” في تقرت خلال الأربعينيات، التي أسّسها علماء جزائريون كبديل عن المدارس الاستعمارية، مشيرا إلى أنّ الكشافة الجزائرية ساهمت في احتضان المواهب المسرحية وتشجيعها على تقديم عروض مستوحاة من التجارب المسرحية في الدول العربية.
وحرص هذا الجيل، حسب ما قاله الدكتور سعداوي، على جعل المسرح وسيلة لنشر رسائل المقاومة والدفاع عن الهوية والشخصية الجزائرية، ممّا ساعد في ترسيخ الوعي الوطني بين الجماهير.
ويضيف المتحدّث أنّه بعد الاستقلال، شهدت الحركة المسرحية في الجزائر ظهور مهرجانات عديدة سعت إلى تنظيم هذا النشاط وتأطيره، ورغم أنّها ملأت الفراغ الثقافي، إلا أنّها لم تنجح في بلورة هوية مسرحية جزائرية واضحة، تستند إلى رؤية سياسية وثقافية واجتماعية تنطلق من خصوصيات المجتمع الجزائري.
ويعود ذلك إلى عدّة عوامل كما أشار إلى ذلك المتحدّث، أبرزها ضعف التكوين الأكاديمي، نقص التمويل، وقلّة التفرغ الكامل للمسرح بسبب الظروف الاقتصادية، بالإضافة إلى ما يواجهه المسرح من مشكلة نقص القاعات المجهّزة لتقديم العروض أو التدريبات في العديد من المدن، ممّا يعيق انتشار هذا الفن بشكل أوسع.
«غير أنّ هذا كلّه لا يلغي ما حقّقه هذا الفن على أيدي الهواة، فقد حافظوا في مرحلة ما على بقاء المسرح واستمراره في المشهد الثقافي الوطني، وتغلغلوا به في أعمق مناطق البلاد على الرغم من ضعف الإمكانات” كما أكّده سعداوي.
وأضاف أنّه على الرغم من هذه التحدّيات، نجح هواة المسرح في الحفاظ على وجوده وتوسيع انتشاره إلى المناطق النائية، ممّا جعله جزءا أساسيا من المشهد الثقافي الوطني واليوم، بات من الضروري تثمين الجهود المبذولة والعمل على تطوير المسرح من خلال تعزيز التكوين الأكاديمي منذ المراحل التعليمية الأولى.
وذكر محدّثنا أنّ الجزائر بدأت في خطوات ملموسة، مثل اعتماد “بكالوريا الفنون” وإدراج تخصّص النقد المسرحي في الجامعات، وهو ما يفتح آفاقا جديدة لمستقبل المسرح الجزائري ويعزّز حضوره على الصعيدين الوطني والدولي، كما أضاف “إنّنا نعتقد أنّ هذا النّوع المسرحي بحاجة إلى تثمين ما تمّ تحقيقه، ومحاولة النهوض به لتحقيق مكتسبات أكبر”.