ندّية واحترام متبــــــــادل وإعادة بعث التعاون الاقتصــــــادي
يحل وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، بالجزائر، اليوم، تبعا للمكالمة الهاتفية بين الرئيسين تبون وماكرون.
وتعكس هذه الزيارة، مساعي باريس لمحاولة تذليل الخلافات العالقة مع الجزائر، بعد موجة من التصعيد السياسي من قبل اليمين المتطرف في فرنسا، والذي جعل من الجالية الجزائرية ورقة ضغط ضمن أجندته الانتخابية. غير أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل أمام موقف الجزائر الراسخ والثابت والتي تُعلي من سيادتها الوطنية وترفض أي شكل من أشكال الوصاية أو التبعية، حيث كانت واضحة في رسائلها الموجهة إلى فرنسا، سواء من خلال تصريحات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون أو عبر مواقفها الرسمية المعلنة. ومن موقع قوة، تؤكد الجزائر على أن العلاقات بين البلدين لا يمكن أن تكون إلا ندية تحترم فيها سيادة الدول.
يظل موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية مبدئيا وثابتا، وهو ما يجعلها ترفض بشدة أي محاولة لتجاوز القانون الدولي أو دعم أطراف معينة على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، كما تنص على ذلك قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
علاوة على ذلك، يتمثل جوهر الخلاف الجزائري- الفرنسي أيضا، في محاولات بعض الأوساط السياسية الفرنسية استغلال مسألة الهجرة كوسيلة ضغط، وهو ما ترفضه الجزائر تماما. والاتفاقيات الثنائية المنظمة لحركة الأشخاص بين البلدين يجب أن تُحترم بكل تفاصيلها، بعيدا عن محاولات اليمين المتطرف إعادة صياغتها بما يخدم مصالحه السياسية الداخلية.
كذلك، تمكنت الجزائر من تحقيق استقلالية اقتصادية واضحة في السنوات الأخيرة، بفضل سياسات تنويع الشراكات الدولية مع دول كبرى، مثل الصين وروسيا وإيطاليا والولايات المتحدة، وتثبت كل يوم أنها غير معنية بأي وصاية اقتصادية أو سياسية من قبل فرنسا أو غيرها.
وتسعى الجزائر إلى بناء شراكات اقتصادية قائمة على المنفعة المتبادلة ونقل التكنولوجيا، بعيدًا عن العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة.
وفي هذا الإطار، أكدت الجزائر رفضها الشراكات التي تكون في مصلحة طرف على حساب آخر، مشددةً على أهمية إقامة علاقات اقتصادية متوازنة ومستدامة. ويتجلى هذا التوجه في سعي الجزائر لجذب استثمارات حقيقية تسهم في تنويع اقتصادها وتعزيز نموه.
كما أن الجزائر لا تمتلك أي مديونية خارجية تجعل منها عرضة للابتزاز والمشروطية السياسية. وبامتلاكها لموقع استراتيجي مهم في المنطقة، وثروات طبيعية ضخمة، خاصة الطاقوية منها، تجعل منها طرفا مؤثرا لا يقبل الوصاية أو التدخل في شؤونها الداخلية. ويعزز هذا المعطى من موقفها التفاوضي أمام فرنسا، التي تجد نفسها مجبرة على إعادة صياغة علاقاتها مع الجزائر بناء على أسس جديدة، أهمها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة واحترام الشرعية الدولية.
ويؤكد العديد من المراقبين، أن الجزائر لن تقدم أي تنازلات لإصلاح العلاقات المتوترة مع فرنسا، باعتبارها ليست السبب في تدهور تلك العلاقات، بل ان الطرف الفرنسي يتحمل كامل المسؤولية. وعلى باريس احترام إرادة الجزائر وسيادتها ومواقفها، خصوصاً فيما يتعلق بملف الذاكرة والجرائم الاستعمارية التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر.
علاوة على ذلك، يتعين على فرنسا احترام الشرعية الدولية في القضايا العالقة بالمنطقة، والعمل على إقامة شراكات اقتصادية حقيقية تقوم على مبدإ الربح المتبادل. كما أن زمن فرض الوصاية أو التبعية قد ولّى، ولن تقبل الجزائر سوى بعلاقات قائمة على الندية والتكافؤ، وشراكات اقتصادية حقيقية تضمن نقل التكنولوجيا واستثمارات فعّالة في رأس المال.