أعادت ليالي الشّتاء الباردة منذ دخول هذا الشهر بولاية باتنة وبقوة الأكلات الشعبية التقليدية المعروفة بالمنطقة إلى موائد العائلات الأوراسية، ولعل من بين هذه الأكلات أطباق “المحاجب” و«العيش” والشخشوخة”، والتي تقترن أساسًا بفصل الشتاء البارد لأنّ تناولها يكسب الجسم الحرارة، وينزع عنه البرد الذي ينخر العظام، وتساعد الجسم على المقاومة.
أجبرت الاضطرابات الجوية الأخيرة أغلب العائلات الأوراسية على تكييف مطبخها مع هذه الأجواء، حيث أصبحت العودة إلى الأطباق التقليدية، حتمية لا خيار في ظل الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، خاصة أطباق المحجوبة والعيش الغني بكل المكونات والفوائد، وتعتمد المرأة الأوراسية في تحضيرها لهذه الأكلات الشعبية على مادة الدقيق أو السميد، الذي غالبا ما تقوم هي بتحضيره بطحن القمح خلال موسم الحصاد واستخلاص مادة الدقيق، عكس السميد الجاهز المتواجد في الأسواق.
وفي هذا الصدد، أكّدت الحاجة “عقيلة” أنّ فتل العيش بهذه المادة إلى جانب الماء، ليتم وضعه في كسكاس تحته قدر بها ماء يغلي لتفوير العيش بالبخار المنبعث من القدر، وبعدها يتم تجفيفه إذا كانت الكمية المفتولة كبيرة واستعماله لعدة مرات، وما زالت النساء بأرياف باتنة ومدنها الكبرى يعتمدن في فتل الكميات الكبيرة للكسكس أو العيش على “اللمة” عبر تعاون عدة نساء في عملية الفتل المتعبة نوعا ما.
وتفضّل أغلب العائلات فتل العيش والكسكس في فصل الصيف، وادخاره لفصل الشتاء، لأنّ هناك فرق كبير واضح في النكهة عند تناوله بين ذلك الجديد المحضّر في حينه وبين القديم المدخر، الذي مرت عليه أيام أو حتى شهور من فتله.
وأشارت الحاجة عقيلة إلى أنّ المرحلة التي تلي عملية فتل العيش هي تحضير المرق، الذي سينضج فيه وتكون المرأة هنا قد وفّرت كل المكونات التي تلزم الطبق التي يتم إعدادها خلال الفصول التي تسبق فصل الشتاء أي كل حسب موسمها بدءا بالحمص، إلى جانب الفول والمشمش المجفف أو ما يعرف بالفرماس، ويتم تجفيف هذه المكونات في موسمها خصيصا لفصل الشتاء ولطبق العيش تحديدا.
ولا يكتمل الطبق إلا بإضافة القديد أو كما يعرف محليًا بـ “الخليع”، الذي يحضّر خصيصا هو الآخر لأكلة العيش من لحم عيد الأضحى، حيث تمتزج نكهته بين حموضة الفرماس وحرارة البهارات، حيث أنّ المُصاب بالزكام يجد شفاءه على يد هذا الطبق الشعبي التقليدي الذي يخفف من حدة الزكام، خاصة إذا تم تناوله ساخنا وحارا بشرط عدم شُرب الماء.
وأشار الحاج محمد إلى أنّ سكان الأوراس قديما كانوا يعالجون أنفسهم من الزكام بطبخ العيش، ويلجؤون إليه في فصل الشتاء وبرودة الطقس، نظرا لاحتوائه على مكونات متوفرة بالمنزل والتي تكون محضرة مسبقًا قبل فصل الشتاء، كما أن الشيء المميز في طبق العيش هو أكله في طبق مصنوع من مادة الطين، الأمر الذي يزيد من حلاوة المذاق عندما يجتمع أفراد العائلة على تلك القصعة، وسط جو شديد البرودة تدفئه حرارة الطبق بمكوناته المميزة، والتي تبدو في واقعها بسيطة العيش، وغيرها من الأطباق التي يتم تصنيعها وتحضيرها من مادة الدقيق كالكسكس.