اعتمدت الفنون التشكيلية، عبر العصور، على الوسائط التقليدية، مثل الأقلام والألوان والقماش، للتعبير الفني. ومع تقدم التكنولوجيا، برز الرسم الرقمي كوسيلة جديدة للفنانين للتعبير عن رؤيتهم الإبداعية، وقد أتاح إدماج الأدوات الرقمية في عالم الفن آفاقاً واسعة للتجريب والابتكار. وفيما ينظر الرسامون التقليديون بنوع من القلق إلى «رقمنة» الفن، يتخوف الرسامون الرقميون، بدورهم، من صعود الذكاء الاصطناعي، واحتلاله، شيئا فشيئا، فضاءات الإبداع البشري.
الرسم الرقمي شكل من أشكال الفن يستخدم أدوات رقمية، مثل الحاسوب والبرامج الحاسوبية، لإنشاء لوحات فنية. وقد أحدث هذا الرسم ثورة في المجال الفني، إذ مكّن الفنانين من العمل بكفاءة أكبر وتجربة تقنيات مختلفة دون قيود المواد التقليدية، واستكشاف إبداعاتهم والتعبير عنها بطرق جديدة ومبتكرة.
الأدوات الرّقميـــــــة فـــــــي الفــــن
أحدثت الأدوات الرقمية ثورةً كبيرةً في مجال الفنون الجميلة، مقدمةً إمكانياتٍ إبداعيةً لا حصر لها للفنانين، وفتح دمج التكنولوجيا في الفن آفاقًا جديدةً ومثيرةً للتعبير، تتجاوز حدود الأشكال التقليدية.
ويشمل الرسم الرقمي مجموعة واسعة من التقنيات التي تختلف عن الأشكال الفنية التقليدية. ويستخدم الفنانون أدوات رقمية، مثل الألواح الرسومية والأقلام الرقمية، وبرامج حاسوبية، لإنشاء أعمال فنية رقمية. وتتضمن عملية إنشاء الفن الرقمي التخطيط والتلوين والعرض، ويتم ذلك إلكترونيًا باستخدام هذه الأدوات.
ومن التجليات الأخرى لهذه الأدوات، نذكر المنحوتات والتركيبات الرقمية، حيث بات باستطاعة الفنانين استخدام برامج النمذجة ثلاثية الأبعاد لتصميم وإنشاء منحوتات يمكن عرضها في العالم الافتراضي أو طباعتها طباعة ثلاثية الأبعاد في العالم المادي. كما أتاحت تقنية الواقع الافتراضي للفنانين إنشاء تركيبات غامرة تتيح للمشاهدين التفاعل مع الفن بطرق جديدة ومثيرة.
كما تؤثر الأدوات الرقمية على طريقة عرض الفن واستهلاكه.. فمع ظهور المنصات الإلكترونية والمعارض الرقمية، أصبح لدى الفنانين الآن فرصة لعرض أعمالهم لجمهور عالمي. وقد ساعد هذا في دمقرطة الفن، وجعله في متناول شريحة أوسع من الناس.
فـــــــــــــــرص ومزايــــــــــــــــــــا
ازدادت شعبية الرسم الرقمي في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى مجموعة من المزايا التي وفرها للفنانين. ومن هذه المزايا، نذكر سهولة تصحيح الأخطاء وإجراء تعديلات على العمل الفني، وتمنح هذه المرونة الفنانين حرية تجربة واستكشاف أنماط فنية مختلفة دون خوف من الوقوع في أخطاء لا رجعة فيها.
ويوفّر الرسم الرقمي مجموعة واسعة من الأدوات التي لا يمكن للرسم التقليدي محاكاتها، من استخدام مجموعة متنوعة من الفرش والألوان والتأثيرات، إلى سهولة تغيير حجم العناصر وتدويرها ومعالجتها داخل اللوحة. كما يمكن العمل في طبقات، وتتيح هذه الأخيرة للفنانين فصل عناصر اللوحة المختلفة، مثل الخلفية والمقدمة والتفاصيل، مما يُسهّل تحرير كل عنصر وتعديله بشكل مستقل.
ومن مزايا الرسم الرقمي أنه يوفر وتيرة أسرع، ما قد يعني كفاءة وإنتاجية أكبر وتوفيرا للوقت والجهد. ويُعد التكامل مع الأدوات الرقمية الأخرى ميزة من مزايا الرسم الرقمي، حيث يمكن للفنانين استيراد الصور والأنماط من مصادر خارجية ودمجها في لوحاتهم، وتصدير هذه الأخيرة بتنسيقات ملفات مختلفة ومشاركتها عبر الإنترنت أو طباعتها على وسائط مختلفة، وبالتالي الوصول إلى جمهور أوسع.
هنالك ميزة أخرى، وهي جعل الفن أكثر سهولة وشمولية للفنانين من مستويات مهارة مختلفة. إذ يمكن للمبتدئين تعلم وممارسة تقنيات الرسم الرقمي بفضل البرامج التعليمية والدورات، وتطوير مهاراتهم والإبداع دون عوائق تقنيات الرسم التقليدية.
عيــــــــــوب وانتقــــــــــادات
على الرغم من مزاياه، يطرح الرسم الرقمي أيضًا تحديات وانتقادات. من أهم المخاوف الاعتماد الكامل على التكنولوجيا، وبالتالي احتمال فقدان اللمسة الإنسانية في الفن. فغالبًا ما تحمل الأشكال الفنية التقليدية ضربات فرشاة الفنان الفريدة أو علامات قلم الرصاص، والتي قد تضيع في العالم الرقمي، حيث تبدو الأعمال أكثر اتساقًا وتناسقًا، ما قد يؤثر على التأثير العاطفي للعمل.
بالإضافة إلى ذلك، ازدادت أهمية قضايا حقوق النشر والأصالة مع صعود الفن الرقمي. وقد أثارت سهولة نسخ الأعمال الفنية الرقمية ومشاركتها عبر الإنترنت تساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية، مما أدى إلى نقاشات حول كيفية حماية إبداعات الفنانين في العصر الرقمي.
ويتطلب الرسم تعلم وإتقان البرامج والأدوات، وفهم تعقيداتها ومختلف تقنياتها. ومن العيوب أيضًا احتمالية ظهور مشاكل تقنية، مثل الأعطال، وتحديثات البرامج.
وقد يكون العمل ساعاتٍ طويلةً أمام الشاشة مُرهقًا للفنانين، جسديا وذهنيا، كما قد يكون هذا الرسم مُكلفًا، من حيث الاستثمار في أجهزة وبرامج وملحقات عالية الجودة لتحقيق نتائج احترافية.
الرّسم الرّقمي في عصر الذّكاء الاصطناعي
مثلما شكّل الرسامون الرقميون مخاوف لدى هواة الممارسة الفنية التقليدية بإمكانية أن يحل الفن الرقمي محلّ التقليدي، فإن الرسامين الرقميين أنفسهم باتوا يواجهون آفاقًا جديدةً لمهنتهم في عصر الذكاء الاصطناعي. هذا الأخير أصبح قادرًا على تحسين، بل واستبدال، جوانب معينة من عملية الرسم، وقد أدى ذلك إلى تحول في طريقة تعامل الرسامين الرقميين مع أعمالهم.
وتتوزّع الآراء في هذا الصدد على اتجاهين، اتجاه أول يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير الفن عموما، بما فيه الرسم الرقمي والتقليدي، بسبب محورية اللمسة الإنسانية في العملية الإبداعية. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي أظهر إمكانات هائلة في إبداع الفن، إلا أنه من غير المرجح أن يحل محل الفنانين الرقميين تمامًا. فبينما قد يتفوق الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأعمال الفنية بسرعة وكفاءة، يُضفي البشر لمسة فريدة وشخصية على أعمالهم، تلقى صدى لدى المشاهدين على مستوى أعمق، فالفن ذاتي وعاطفي وشخصي، وهي صفات قد يصعب على الذكاء الاصطناعي تقليدها.
ويمتلك الفنانون القدرة على التفكير الإبداعي، وتجاوز الحدود، وإضفاء المعاني والعواطف الشخصية على أعمالهم، وهي صفات أساسية في عالم الفن. وبالتالي، فمن المرجح أن يُكمّل الذكاء الاصطناعي الفنانين الرقميين بدلًا من أن يحل محلهم، مما يُسهم في تطور الفن وتنوعه في العصر الرقمي.
أما الاتجاه الثاني، فيرى بأن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة قد تجعل منه موجة تجرف كل ما يقف في طريقها.
بات لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة على إنتاج أعمال فنية دون تدخل بشري، حيث تستطيع خوارزميات التعلم الآلي تحليل كميات هائلة من البيانات لإنشاء صور ورسوم متحركة واقعية للغاية، وغيرها من أشكال الفن الرقمي بأقل تدخل بشري، وهذه الكفاءة والسرعة قد تجعل الذكاء الاصطناعي خيارًا أكثر فعالية من حيث التكلفة لإنشاء محتوى رقمي في المستقبل.
أكثر من ذلك، يمكن تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأساليب الفنية للفنانين المشهورين، ما يسمح لهم بإنتاج أعمال فنية أصيلة للغاية يصعب تمييزها عن الفن الذي صنعه الإنسان.
مع ذلك، بينما قد يتفوق الذكاء الاصطناعي في محاكاة الأنماط الفنية القائمة، يُجادل البعض بأنه يفتقر إلى الإبداع والأصالة التي نجدها في أعمال «الفنانين البشريين». غالبًا ما يستلهم الفنانون الرقميون من تجاربهم ومشاعرهم ووجهات نظرهم الخاصة، مُبدعين فنًا فريدًا وذا طابع شخصي عميق. هذا العنصر البشري هو ما يُميز أعمالهم ويجعلها تلقى صدىً لدى الجمهور على مستوى أعمق.
بالإضافة إلى ذلك، لا تكون العملية الإبداعية دائمًا خطية أو قابلة للتكرار بسهولة باستخدام الخوارزميات. غالبًا ما يُجرب الفنانون، ويُخطئون، ويُخاطرون لتوسيع آفاق عملهم، وهذه الرغبة في التجريب والاستكشاف هي ما يُحفز الابتكار ويُؤدي إلى إنجازات فنية جديدة، وربما لن يتمكن الذكاء الاصطناعي، على المدى القريب، من محاكاة هذا النهج العضوي والبديهي في إبداع الفن.
وفيما قد تبدو هذه الفكرة مخيفة للمبدعين، من المهم أن نفهم قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده، وأن نتذكر أن الذكاء الاصطناعي أداة، وليس بديلاً عن الإبداع البشري، ولا يُمكنه استبدال الخيال البشري والعمق العاطفي الضروريين لخلق فن ذي معنى حقيقي، على الأقل في المستقبل القريب.
ولعل من الأفيد النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة مُكمّلة يُمكنها تعزيز العملية الإبداعية وتوفير إمكانيات جديدة للفنانين لاستكشافها، فالمُرجّح أن يكون مستقبل الفن الرقمي جهدًا تعاونيًا بين البشر والآلات.
الرّســـــم الرّقمـــــي في المدوّنـــــة الجزائريـــــة
لا تخلو الساحة الفنية الجزائرية من المبدعين الذين اختاروا الرسم الرقمي وسيلة للتعبير. من أجل ذلك، عمدت الجهة الوصية إلى تنظيم هذا المجال، بداية بتعريفه، وإدراجه ضمن مدونة المهن الفنية في الجزائر.
خلال صائفة العام الماضي، صدرت مدونة المهن الفنية في الجريدة الرسمية رقم 54 المؤرخة في 8 أوت الجاري. ويتعلق الأمر بالقرار المؤرخ في 9 محرم عام 1446 الموافق 15 يوليو سنة 2024، الذي يحدد مدونة المهن الفنية، والذي جاء تطبيقا لأحكام المادة 24 من المرسوم الرئاسي رقم 23-376 المؤرخ في 7 ربيع الثاني عام 1445 الموافق 22 أكتوبر سنة 2023 المتضمن القانون الأساسي للفنان.
وفي هذا السياق، تم تحديد وتحيين مدونة المهن الفنية بموجب قرار وزاري بعد مصادقة المجلس الوطني للفنون والآداب عليها، وهي المدونة التي تشمل مجموع المهن التي يمارسها الفنان في مجاله الفني أو الأدبي أو التقني أو الإداري، في الابداع أو إعادة الابداع الفني.
وتضمنت هذه المدونة مائتين واثنين وعشرين (222) مهنة، تغطي تسعة (9) مجالات فنية، من بينها مجالان جديدان هما «فنون الشارع» و»الفنون الرقمية».
وبالاطلاع على قائمة المهن الفنية التي نشرتها الوزارة، نجد أن مجال «مهن الفنون الرقمية» المضاف حديثا، يضمّ مهن «الأنفوغرافي»، و»الرسام الرقمي»، و»رسام الصور الرقمية المشهدية»، و»المركب الرقمي»، و»رسام مصمم مؤثرات خاصة»، و»مصمم أصوات المشاهد الإلكترونية»، و»معالج الصور الرقمية»، و»مصمم الديكور الرقمي»، و»مصمم المجسمات الرقمية»، و»المؤلف الرقمي»، و»مصمم ألعاب الفيديو»، و»نقاش الحروف بمساعدة الحاسوب»، و»فنان التأثيرات البصرية»، و»الرسام الجرافيكي».
وعرّفت المدونة الرسام الرقمي بأنه «الفنان الذي يقوم برسم وإبداع البيئات الرقمية المناسبة، وهو المتخصص في إنشاء الديكورات اللازمة وإدماجها في خلفية الأفلام أو ألعاب الفيديو، مع ضرورة التصوير بخلفية خضراء مما يسمح بإضفاء البعد الواقعي عليها».
كما عرّفت رسام الصور الرقمية المشهدية بأنه «فنان مصمم ورسام ثلاثي الأبعاد لمرئيات الكمبيوتر، خاصة مجال ألعاب الفيديو والوسائط المتعددة، حيث يتبع تعليمات مصمم اللعبة ويتعاون في الوقت نفسه مع مصمم النماذج والمجسمات ومبتكر الشخصيات لإنشائها بالأحجام المناسبة، ونمذجة الكائنات وفق ما هو مطلوب، وتهيئة بيئة مناسبة لألعاب الفيديو من الصور الاصطناعية.»
أما الأنفوغرافي، حسب المدونة، فهو «الفنان الذي يقوم بتصنيع وتحويل ملحقات الرسوم الرقمية بوسائل الكمبيوتر. كما يمكنه إجراء محاكاة نموذجية وتمثيل الديكورات في صور افتراضية. يعمل في مجال التسويق الإعلان التعليم، عرض البيانات، والإحصائيات».
في الختام، يمكن القول إن دمج التكنولوجيا، وتحديدًا الرسم الرقمي، في الفنون التشكيلية، قد غيّر طريقة إبداع الفنانين وإدراك الجمهور للفن. وإذا كان الرسم الرقمي يوفر مزايا عديدة من حيث سهولة الوصول والابتكار والانتشار العالمي، فإنه يطرح أيضًا تحديات تتعلق بالحفاظ على النزاهة الفنية والأصالة. وفي كل الأحوال، وجب على الفنانين التكيف مع التغييرات الحاصلة، خاصة مع استمرار التقدم التكنولوجي الذي لا يبدو أنه يعترف بالحدود.