الـــعـــوامـــل الـــطـــّبـــيـــعـــيـــة والــــــبشـــريـــة تـــعـــرضـــّه لمخـــاطـــر الانـــدثـــار

قصر أنقوسة العتيق..ذاكرة تصارع الزّمن

ورقلة: إيمان كافي

 

في قلب مدينة ورقلة، يقف قصر أنقوسة العتيق كرمز شامخ يروي حكايات الماضي العريق، هذا المعلم التاريخي، الذي يعود تأسيسه إلى القرن التاسع الميلادي، ليس مجرد بناء قديم، بل هو شاهد حي على مراحل تطور المنطقة وتحولاتها الثقافية والاجتماعية.

  يتميّز القصر بثرائه المعماري وعمقه التاريخي الذي يجذب الباحثين والهواة من مختلف بقاع العالم، ومع ذلك، فإنّ إهماله وتعرّضه لعوامل طبيعية وبشرية جعلته عرضة للتدهور، ممّا يهدّد بفقدان كنز أثري مهم.
ويعتبر قصر مدينة أنقوسة من أبرز المعالم الأثرية التي تزخر بها مدينة ورقلة،  لما يحمله من تراث مادي ولا مادي وهذا راجع لجذورها التاريخية، فهو شاهد على حقبة تاريخية من الزمن القديم، ويبقى مادة خام يستفيد منه الباحثون خاصة في مجال علم الأثار، لأنه لم تطرأ عليه تغيرات الحداثة العصرية في البناء، وكذلك في مجال هندسة القصور القديمة، ناهيك عن مختصي الأنثروبولوجيا والتاريخ.
قــــصــــر أنــــقــــوســــة..روايــــات الــــنّــــشـــــأة والــــتّـــســـمــــيـــــة
ذكر الباحث في تاريخ وتراث ورقلة، عبد الحليم دحماني، أن نشأة قصر أنقوسة تعود إلى القرن التاسع ميلادي، حين بنيت منازله الأولى بعد التجمع السكاني به جمعهم الولي الصالح سيدي صالح بن موسى بعد الفتنة التي وقعت وتمزق جميع البلدان التي كانت منتشرة في منطقة أنقوسة، بسبب حرب نشبت تسببت فيها امرأة من إحدى البلدان مع رجل ينتمي لإحدى البلدان كذلك، وقد كان اسم المكان الموجود به القصر حاليا “تالة أزدوس”، ولما تجمع السكان ونقصت كل تلك البلدان، سماه الولي الصالح سيدي صالح المنقوصة لنقصان تلك البلدان، ومن المنقوصة تحولت إلى نقوصة، ثم كتبت بالفرنسية (NGOUSSA)، وأصبح يطلق عليها أنقوسة، وتعتبر هذه إحدى الروايات لتحديد أصل تسمية كلمة أنقوسة.
إلا أنه توجد روايات أخرى - يقول الباحث في تراث مدينة أنقوسة - الأولى تروي أن أصل كلمة أنقوسة تعود إلى اسم امرأة رومانية اسمها نيقوصيا، وأطلقت هذه التسمية نسبة لها، وفي الأساطير أن منطقة أنقوسة، كانت مملكة منذ عهد مملكة سبأ، وتشير الرواية الثانية إلى أن أنقوسة تعود إلى أصل كلمة

أمازيغية، تعني “نكوسا” أي “مررنا من هنا”، أطلقها مجموعة من القبائل المارة، والرواية الثالثة تروي أنه كان هناك مسجدا يسمى بمسجد العون (عاون) كانت به ناقوسة تودع فيها الرسائل للمارة، لأن المنطقة كانت مركز عبور للقوافل وعند جلب الرسائل والطرود من تلك الناقوسة، تردد عبارة جلبت لك الرسالة من الناقوسة، فأصبحت المنطقة تسمى بالناقوسة.. وتبقى الرواية الأولى المنقوصة هي أرجح الروايات، بحسب الباحث.
وبعد تجمّع السكان داخل القصر - يضيف دحماني - تعرّضوا للهجومات والغزو فأحاطوا منازلهم بسور عالي يبلغ ارتفاعه خمس أمتار بسمك خمسة وسبعين سنتم، لمنع دخول العدو، وفي سنة 1021 ميلادي أسست بها المملكة، فأصبحت حاضرة امتد حكمها إلى مدن الأغواط، بسكرة والمنيعة، حيث تداول على حكم المملكة سبعة وعشرين ملك، الأربعة الأوائل إلى غاية 1169 ميلادي كان أخرهم مولاي الصديق، فتخلى على الحكم لصالح أولاد بابية وتواصل الحكم لثلاثة وعشرين آخرين منهم إلى غاية 1909 ميلادي، وبهذا يكون عمر المملكة تسعة قرون وبضع سنين، حيث عرفت المملكة عدة صراعات داخلية من أجل اعتلاء كرسي العرش الملكي وصراعات سياسية أخرى خارجية، أكثرها مع سلطنة ورقلة وكان غايتها هو التسلط والسيطرة على القبائل المجاورة.
ساد المملكة نظام عشائري محكم، حيث كان السكان ينقسمون إلى أربع فرق حسب تموقعهم السكاني، يعتليهم شيخ يحكمهم وله اتصال مباشر مع السلطان والقصر، يحمل المواصفات الحربية في بنيته، ويتجلى ذلك من خلال الاستعداد الدائم للحرب والهجومات.
مــــعـــــــالم أثــريــــــــة تــنــــبــــــض بــــالــــتّــاريــــــــخ
قصر مدينة أنقوسة يزخر بعدة معالم أثرية شاهدة على عراقته وتاريخه، فالقصر الآن عبارة عن معلم أثري وتاريخي ورغم إهماله وتدهور وضعيته، إلا أنه يعتبر قبلة للزوار من طرف الجمعيات السياحية، الأساتذة الباحثين، الطلبة الأكاديميين من مختلف التخصصات كعلم الأثار، الأنثروبولوجيا، التاريخ القديم، الإعلام والاتصال وحتى الهندسة المعمارية والمدنية  كهندسة القصور، لأنهم يجيدون ضالتهم من مادة علمية.
ويعد القصر معلما أثريا وتاريخيا يحتوي في ثناياه على عدة معالم أثرية، إضافة للأشكال الهندسية المختلفة التي بنيت بها المنازل، كما يزخر القصر بساحات تاريخية للاجتماعات والتجمعات وإقامة السهرات.
ومن أبرز معالمه مسجد سيدي صالح بن موسى، نسبة إلى مؤسسه الشيخ صالح بن موسى الولي الصالح، الذي قدم إلى المنطقة مع والده وهو في سن صغيرة، في حوالي القرن التاسع الميلادي، هذا المسجد كان في العهد الأول بعد إنشاء قصر أنقوسة، أي في حوالي القرن التاسع ميلادي وكان في

أول الأمر عبارة عن غرفة مستطيلة الشكل متصلة بمنزل سيدي صالح، وبعد وفاة الشيخ وسعت الغرفة وأصبحت بحجمها الحالي، يليها مباشرة مقام الضريحان للولي سيدي صالح بن موسى وسيدي أمبارك الصايم واستفاد من الترميم سابقا ويحتاج إلى تهيئة في عدة جوانب أخرى.
وذكر المتحدّث أيضا زاوية سيدي خميس، التي تعود لمؤسّسها الولي الصالح سيدي خميس في القرن العاشر ميلادي، استفادت هي الأخرى من الترميم وأصبح بها قاعة للصلوات الخمس ويتعلم فيها القرآن أكثرهم كبار السن وما زالت تحتاج إلى تجهيزات.
كذلك المسجد العتيق، وهو من أبرز المعالم الأثرية والتاريخية داخل القصر الملكي، حيث يعود بنائه إلى سنة 950 ميلادي، أي بعد بناء المنازل الأولى للقصر في سنة 870 م، وإنشاء المدينة العمرانية الحضارية، ويطلق على المسجد العتيق اسم الجامع الكبير (تامزقيدة تامقرنت)، ويسمى “لالة كبيرة” وأيضا “مسجد باب حاجي” والذي استفاد من عملية الترميم.
وجامع بابا باقة، وهو مدرسة لتعليم القرآن وأداء الصلوات، أسسها الولي الصالح سيدي صالح أحبايا، والذي يحتاج ـ حسبه ـ إلى ترميمات وإعادة تهيئة، إضافة إلى جامع لالة رحبت، يعود تأسيسه إلى الولية الصالحة رحبت وهو جامع لتعليم القرآن وأداء الصلوات ويحتاج بدوره إلى ترميمات وإعادة تهيئة.
أما جامع سيدي نوح، يضيف الباحث، يعود لمؤسّسه الولي الصالح سيدي نوح الموجود ضريحه في وسط واحة النخيل، وكان الجامع لأداء الصلاة وتلقين تعاليم الدين ويحتاج إلى ترميم وإعادة تهيئة، بالإضافة إلى جامع إمغارن، هو مسجد لأداء الصلاة وتعليم القرآن، يقع في حي أولاد بابية (إمغارن) وتحاذيه المقبرة الخاصة بهم ويحتاج إلى ترميم وإعادة تهيئة.
الأمر نفسه بالنسبة لجامع لالة زاوية، الذي كان مسجدا لأداء الصلوات، انشق من المسجد العتيق لغرض إتباع الطرقة العزوزية، بدلا عن الطريقة القادرية يعود لمؤسسه الإمام الطالب سيدي علي بن الطالب أحمد بن سيدي علي، وهو حاليا عبارة عن مكان فارغ يحتاج إلى إظهار معالمه.وقال الباحث دحماني إنّ بقايا السور المحاط بالقصر كحصن الذي كان ارتفاعه خمسة أمتار وسمكه 75 سم، يحتاج إلى تهيئة وإعادة ترميمه والأبواب الأربعة للقصر كل بنمطه الخاص تحتاج إلى إعادة معالمها وبنائها، كذلك مبنى القصر الملكي، والذي كان في حي إمغارن بشكله المستطيل الذي بني بالأقواس والأسطونات، يضم العرش الملكي ومحكمة السلطنة، حاليا عبارة عن ساحة، يحتاج أيضا إلى إظهار معالمه.
وأشار محدثنا إلى أنّ “سجن المملكة” وهو صغير المساحة ليس بعيدا عن مبنى القصر الملكي وقرب المسجد العتيق معمول للتوقيف المؤقت، يحتاج إلى تهيئته وإظهاره كمعلم ومبنى مخزن المملكة، نظرا لطبيعة نظام الحكم في قصر أنقوسة، حيث كان نظاما ملكيا، يختص بحفظ ممتلكات المملكة ويحتاج إلى إعادة ترميمه وتهيئته، إلى جانب


 منبع تالة موسى، العين الموجودة داخل القصر لتزود سكان القصر خاصة في حالات الحصار.
ويضيف الباحث: “بما أنّ القصر بأكمله عبارة عن معلم أثري كما ذكرنا سابقا، فهو يحتاج إلى رفع الركام والردم التي سدت ممراته، ليتسنى للزوار التجول عبر أزقته بأريحية واكتشاف معالمه.
كما أكّد أنّ كل هذه الأحداث والوقائع التاريخية والآثار الباقية إلى يومنا هذا “تجعل من قصر مدينة أنقوسة مؤهلا لأن يكون معلما تاريخيا ومنتجعا سياحيا، يحفظ تاريخ هذه المدينة، بحيث بعد هجرة السكان تماما شهد تدهورا وإهمالا كبيرين، وكذلك لم يلق عناية واهتمام الجهات المعنية التي لم تعر أهمية لهذا الكنز التراثي.
اقـــتراحـــــــــــــات لإعـــــــــــادة التـــّــهيـــئـــــــــــة
ذكر محدّثنا أنّ رئيس جمعية القصر حاول أن يقوم بإجراءات تصنيفه، وأودع الملف منذ سنة 2009 ولكن دون جدوى، مضيفا أنّه تمّ مؤخرا تقديم مجموعة من الاقتراحات لتهيئته إلى لجنة السياحة والتراث بالمجلس الشعبي الولائي، كي يساير ظروف الزيارات السياحية والميدانية، ولم يلقى هذا الطلب استجابة كما أشار إلى ذلك.
وأوضح المتحدث أنّ هذه الاقتراحات تمثّلت في تنظيف محيط القصر من القمامة وتحصينه بحواجز ليظهر كمعلم أثري، رفع الردم وفتح المسالك المرورية لشوارع وأزقة القصر، بناء واجهات المنازل المنهارة وترميم الأجزاء المتبقية منها ودعمها وإعادة تهيئتها، إضافة إلى إبراز المعالم التي تحمل دلالات تاريخية من خلال بناء سور يحدد مكانها الأصلي لإظهار معالمها (القصر الملكي، المحكمة، مخزن المملكة التاريخية، السجن، جامع لالة زاوية وبعض المنازل المحطمة)، تهيئة الرموز التي تمثل معالم أثرية داخل القصر، (الأبواب الأربعة، مخرج تالة موسى، مخرج عين زرقاء، السور، الساحات، الجوامع ومنبع تزود المياه تالة موسى)، وترميم ثلاثة أو أربعة منازل واعتبارها كنموذج يعكس الشكل الهندسي لمنازل القصر، بالإضافة إلى اقتراح بناء متحف بلدي داخل القصر بالنمط الهندسي القديم للمنطقة ليساهم ـ حسب الباحث ـ في حفظ تاريخ وتراث المدينة وحتى يحتوي معرضا ثابتا حول تاريخ المدينة، القطع الأثرية، ورشات تجسد العادات والتقاليد والصناعات التقليدية ومجسم هندسي كبير للقصر، وكذا بناء مرقد تقليدي داخل القصر لاستقطاب السواح، هذا الاقتراح يقول دحماني “على الأمد بعد تحقّق الاقتراحات السابقة”.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19711

العدد 19711

الأربعاء 26 فيفري 2025
العدد 19709

العدد 19709

الثلاثاء 25 فيفري 2025
العدد 19708

العدد 19708

الإثنين 24 فيفري 2025
العدد 19707

العدد 19707

الأحد 23 فيفري 2025