رحلت قبل أن يعانقها ناصر بعد 34 عاماً من الفقد

مزيـونـة أبو سـرور.. أيقونة الانتظار الفلسطيني

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

أمّ لا تنكسر..لكنها ترحل

في فلسطين، لا تُقاس الأمهات بالعمر ولا بالشيب الذي يتسلل إلى الجبين، بل تُقاس بصبرهن، بصلابتهن، وبقدرتهن الخارقة على الانتظار، حتى ولو فَقدَ الزمان إيمانه بالعودة. وفي فلسطين، لا يُشيَّع الموتى فقط إلى المقابر، بل يُشيَّع في كل جنازة حلمٌ مؤجل، ووجعٌ بلا شفاء، ورسالةٌ كُتبت ولم تُسلَّم.

الراحلة مزيونة أبو سرور، والدة الأسير ناصر أبو سرور، ليست اسماً عابراً في دفتر العزاء، بل سيدة من نساء هذا الوطن اللواتي انزرعن على بوابات السجون، وسقين شجرة الانتظار بدموعهن، ثم رحلن. مزيونة، المناضلة التي نذرت عمرها لابنها المعتقل، قضت 34 عامًا في حضرة الانتظار. منذ عام 1993، لم تهدأ دقات قلبها، ولم تبرُد لهفتها، ولم تغب صورتها عن زنازين سجن “هداريم” و«ريمون” و«نفحة” وغيرها من السجون التي تنقل فيها ناصر.
كانت أمّا تُقاتل بالحب، بالكلمة، بالدعاء، وبكل ما لا تراه العدسات ولا يرصده الإعلام..كانت تشدُّ طرف شالها في كل صباح وتغادر بيتها في المخيم لتحجز مكانها في طابور الزيارة، في البرد والحر، في المطر والعواصف، لتقول لناصر عبر الزجاج: “أنا هنا يا ولدي..لم أتعب”.
أن تنتظر أم ابنها ثلاثين عامًا وأكثر، يعني أن تعيش ثلاثين قيامة، ثلاثين خيبة، ثلاثين طعنة في الخاصرة. أن تعيش لتسمع كل صباح نشرة الأسرى، لتتابع تفاصيل لا يسمعها غيرها: إضرابه، نقله، عزله، جلده. وأن تتنقل بين مشافي الضغوط والقلب والعين، وتُخفي عن الناس أنها تبكي كل مساء وحيدة، لأن البكاء صار ترفاً لا تملكه المناضلات. ومع ذلك، كانت مزيونة تقف أمام الكاميرات القليلة التي التفتت لقضيتها، وتُردد: “أنا ما زلت أنتظر..وسأظل”.
في الرابع من جانفي عام 1993، اعتقل الاحتلال ناصر أبو سرور، الشاب الذي وُلد في أحضان المخيم، وتربى على مقاومة الاحتلال منذ نعومة أظفاره..لم يكن اعتقاله مجرد اعتقال، بل محاولة لقتل الحلم داخل عائلة تناضل في كل ذرة ترابها. حكم عليه بالسجن المؤبد، لكنه لم ينكسر. ناصر اختار أن يحوّل زنزانته إلى منارة فكر. حصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية، وأصدر ديوانًا شعريًا بعنوان “عن السجن وأشياء أخرى”. كتب رواية “حكاية جدار”، ونجحت في اختراق جدران الزنزانة لتصل إلى جائزة البوكر العربية لعام 2023.
لكن خلف هذا الحبر، كانت أمه تنتظره..كانت تقرأ كل سطر من كتاباته كمن يقرأ رسائل حب. كانت تقرأ بين السطور صوته، وشكواه، وقلبه المصلوب على جدار السجن. وفي كل مرة يُنشر فيها خبر عن رواية أو قصيدة، كانت تقول لمن حولها: “ابني ناصر كتبها لي.. كتبها من أجلي”..حتى الجدار الذي حكاه في روايته، لم يكن سوى استعارة عن المسافة التي تفصله عنها.
وها هي مزيونة ترحل اليوم، قبل أن تراه حراً، قبل أن يحتضنها بعد ثلاثة عقود من القيد. ترحل بصمت النبيلات، دون أن تكتب سطراً عن وجعها، ودون أن تشتكي.
ترحل مزيونة كما رحلت آلاف الأمهات الفلسطينيات اللواتي دفنّ أولادهن في ذاكرتهن وانتظرنهم رغم الموت والخذلان. لقد حرمتها سلطة الاحتلال من أبسط الحقوق: احتضان ابنها، لمسة يده، قبلة على جبينه، صورة عائلية مكتملة.
لم تكن مزيونة وحدها. هناك آلاف الأمهات الفلسطينيات ينتظرن حتى الآن أبناءهن في السجون. منذ عام 1967 وحتى اليوم، تجاوز عدد الأسرى في سجون الاحتلال مليون فلسطيني، وهو رقم مرعب، يُترجم إلى مليون أم، مليون جنازة مؤجلة. والمأساة تتعمق مع كل فجر، حين تعلم أم في غزّة أن ولدها استشهد تحت القصف، والأسير في الجنوب لا يعلم أن والدته قد دفنت منذ أشهر، دون أن يُخبره أحد.
في زمن الحرب الأخيرة على غزّة، سقطت الأمهات بنيران الطائرات، وسقطت الكلمات في الزنازين، وسقطت كل وسائل التواصل. قُطعت الأخبار، وحُجبت الحقيقة، ومات الأحبة دون أن يُخبرهم أحد. كثير من الأسرى، تحديدًا من غزّة، عرفوا باستشهاد أمهاتهم وآبائهم وأبنائهم بعد شهور من رحيلهم، أو بعد الإفراج عنهم. الاحتلال لا يكتفي بالأسر، بل يُمارس الأسر داخل الأسر، والوجع فوق الوجع.
إن رحيل مزيونة أبو سرور اليوم لا يجب أن يُقرأ فقط كوفاة أم، بل يجب أن يُسجَّل في دفاتر الذاكرة كجرح وطني. لقد انتظرت ناصر ثلاثين عامًا، ولو طال بها العمر لانتظرته ثلاثين عامًا أخرى، لكنها كانت تعرف أن الزمن في فلسطين لا يسير كما يجب. كانت تعرف أن الاحتلال لا يعترف بمشاعر الأمهات، ولا بمنطق الإنسانية، ولا حتى بالأعراف. رحلت وهي مرفوعة الرأس، عزيزة النفس، مُحبّة، ولكن موجوعة.
في رحيلها، تفتح بوابة أخرى للأسئلة الصعبة: كم أمًّا فلسطينية ستموت وهي تنتظر؟ كم أسيرًا سيظل يُراكم الكلمات في العتمة بينما تدفن أمهاته في النور؟ كم جثمانًا سيُحرم من وداع الابن؟ وكم ابنًا سيُمنع من وداع أمه؟ إنها معادلة جائرة لا تليق بالبشر.
لكن فلسطين تعرف جيدًا كيف تُكرّم أمهاتها. تعرف أن مزيونة لم تمت، بل تحوّلت إلى نداء، إلى صرخة، إلى قصيدة تُكتب كل يوم في دفتر الخلود. سيظل اسمها يُقرأ في المدارس، وتُروى سيرتها على أرصفة المخيمات، وتُذكر في كل خيمة عزاء، وفي كل زيارة لأسير، وفي كل رواية تُكتب خلف القضبان.
- الرحمة لمزيونة..والسلام لروحها الحرة.
والحرية لناصر..ولكل الأسرى الذين يُقاومون
العتمة بالنور،  والغياب بالأمل.
وفي حضرة هذه الأم..ينكسر الاحتلال ألف مرة.-

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19863

العدد 19863

الأحد 31 أوث 2025
العدد 19862

العدد 19862

السبت 30 أوث 2025
العدد 19861

العدد 19861

الخميس 28 أوث 2025
العدد 19860

العدد 19860

الأربعاء 27 أوث 2025