خيانة وسقوط متواصلان يورّطان المغرب سياسيًّا وأخلاقيًّا
يتقدّم ميناء طنجة المتوسّطي من خانة الشّبهات إلى خانة الوقائع المتكرّرة، وذلك مع الموعد المعلن يوم الأحد لرسو سفن متورّطة في نقل عتاد عسكري إلى الكيان بحسب حركة المقاطعة، ومع الرسو المتكرر لسفن تجارية مرتبطة بشبكات توريد عسكري متّجهة للكيان الصهيوني.
رسو متكرّر السّفن الصهيونية، يصاحبه صمت رسمي مخزني مريب، وكأنّه يتعامل مع القضية كإجراء ملاحي عادي، لكنه في الواقع تحوّل خطير في وظيفة الموانئ المغربية وأثره الأخلاقي والسياسي، فالأمر لا يتعلق بتكهّنات تتغذّى من المناخ العام، بل بمعطيات معلَنة عن جداول رسو، ومسارات تتبّع آلي، وبيانات احتجاجية محلية ودولية تطالب بوقف تحويل الميناء إلى ممرّ آمن لإمداد آلة حرب متّهمة أمميًا بإنتاج كارثة إنسانية غير مسبوقة في غزّة. وفي سياق متصل، يتبدّى التناقض بين خطاب رسمي دافع سابقًا عن التطبيع بوصفه «أداة» لخدمة القضية الفلسطينية، وبين ممارسة واقعية تنقل التطبيع من الورق إلى الأرصفة، وتضع المغرب في موقع الشريك اللوجستي في سلسلة إمداد عسكرية لإبادة الشعب الفلسطيني. الوقائع المؤكّدة تشير إلى تكرار رسو سفن بعينها، وتحديدًا سفن عاملة لدى واحدة من أكبر شركات الشّحن العالمية، مع وجود مؤشرات مؤكدة على حمل ونقل تجهيزات عسكرية حسّاسة للكيان الصهيوني، وهو ما دفع منظمات متخصّصة تتابع الموضوع إلى تعيين سفن بأسمائها، والتأكيد على أنّ العودة المتكرّرة إلى طنجة باتت نهجًا لا حادثًا عابرًا، كذلك تشهد مدن مغربية، موجات احتجاج تطالب بتفتيش الشحنات ومنع عبور أي حمولة ذات طابع عسكري، وتحمّل السلطات مسؤولية قانونية وأخلاقية عن السماح بتوظيف الموانئ في سياق حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023. علاوة على ذلك، فإنّ جداول الشّركات الملاحية المفتوحة للعموم وأنظمة التتبع AIS تُظهر مواعيد وصول ومغادرة محددة لسفن تحمل أسماء متداولة في بيانات النشطاء، ما يجعل الادّعاء بجهالة الوجهة أو طبيعة الشحنة ضعيفًا أمام الأدلة الظرفية المتراكمة.
في نفس السياق، تتعاظم المقارنة الخارجية التي لا تصب في صالح المخزن، دول أوروبية على مقربة جغرافية من طنجة أعلنت رسميًا رفضها استقبال سفن محمّلة بعتاد متجه للكيان الصهيوني، ووضعت سياسة واضحة بعدم منح تراخيص رسو لرحلات من هذا النوع، بينما تواصل الموانئ المغربية استقبال سفن مثار جدل من دون إعلان بروتوكول تفتيش مستقل وعلني. وهذا الفارق لا يصنع فقط صورة سياسية متناقضة، بل يخلق أيضًا مخاطر قانونية، إذ يمكن أن يجد المغرب نفسه أمام دعاوى مدنية محتملة وضغوط شركاء تجاريين يحاسبون الشركات والدول على معايير الامتثال والمسؤولية، وهذا ما يجب أن تقوم به الجهات المخوّلة لها ذلك باعتبار المغرب الآن شريكا في جريمة حرب مكتملة الأركان.
كما أنّ هذا السقوط يكلّف المغرب سياسيًا وأخلاقيًا، لبلد يسوّق لنفسه على أنّه بوابة لوجستية حديثة، وفي نفس الوقت لا يستطيع أداء دور عقدة تسليح لطرف يخوض حربًا تُدان عالميًا دون أن تهتز سمعته. وتتعاظم المخاطر القانونية والإعلامية كلما تراكمت الرّحلات والأسماء والأوقات على قواعد بيانات التتبّع، وجداول الشركات وملفات التأمين البحري، حيث فتحت الولايات المتحدة تحقيقًا عبر هيئة تنظيمية بحرية في قرارات المنع الإسبانية، وهو ما وضع تفاصيل الرحلات أمام تدقيق دولي إضافي، وأكّد أن الموضوع لم يعد شأنًا محليًا؛ أي أن كل محطة بديلة تمنحها طنجة تصبح جزءًا مرئيًا من نزاع متعدّد المستويات. وعلى المغرب، إن أراد الخروج من خانة الشريك الفعلي في سلاسل تسليح الكيان، تعليق أي رسو أو عبور تُثار حوله شبهة صلة بالتسليح المتجه للصهاينة، وفق معيار مبني على المخاطر لا على إفادات الشركات، وإعلان سياسة وطنية مكتوبة لعدم الإسهام في الجرائم الجسيمة تطبق على جميع الموانئ بلا استثناء، وإنشاء آلية رقابية مستقلة وملزمة تُشرف عليها جهة مدنية مختصّة، وتُنشر خلاصتها المهنية دوريًا، وتوجيه إخطارات دبلوماسية صريحة لشركات الشحن ووكلائها بأن الموانئ المغربية غير متاحة لأي رحلة يشتبه في ارتباطها بسلاسل التسليح الصهيونية، مع ترتيب المنع والعقوبات عند المخالفة، ومواءمة قواعد الموانئ مع معايير تقييم مخاطر التحويل والاستخدام النهائي حتى خارج الأطر التعاهدية، غير أنّ واقع الممارسة الفعلية والتاريخية يثبت أن الرباط ماضية في توفير ممرّ آمن يخدم آلة الحرب على غزّة، وأن سجلّها السياسي والأمني يكشف مسارًا طويلًا من الدعم والتيسير، وصولًا إلى تسريباتٍ واتصالاتٍ مبكّرة مع الكيان منذ بدايات الاحتلال لأرض فلسطين، ما يجعل توصيف «الشراكة في الجريمة» توصيفًا دقيقًا لمسار قائم لا استثناء عابر.