رمــز النّضـال مــن أجــل وهـران
لا تكتمل زيارة جبل المرجاجو، الذي يرتفع 429.3 مترا عن سطح البحر، دون أداء الصلاة في مسجد “رباط الطُلبة”، الواقف شامخا بمنارته الشاهقة، التي يبلغ ارتفاعها 25 مترا بأنوارها المشعة، فوق حصن “سانتا كروز”، وبجانب مقام الولي “عبد القادر الجيلاني”.
يرتبط اسم المسجد “رباط الطُّلبة” ارتباطا وثيقا بـ “جيش الطلُّبَة “، مما يجعله جانبا جديرا بالتوقف عنده لفهم دلالة هذا المسجد، وفقا لما ذكره فرحات نسيم، المرشد السياحي والمساهم في تنشيط المشهد الثقافي والاجتماعي، والذي يشغل كذلك منصب رئيس النادي السياحي “نسمة وهران”.
أوضح فرحات لـ “الشعب” أن “مسجد رباط الطلبة قد شُيّد في موقع الرباط الذي كان يستخدمه طلبة القرآن الكريم، المتطوعون للجهاد لشن هجماتهم ضد الإسبان، ليصبح رمزا بارزا للنضال التاريخي، الذي تُوّج بتسليم مفتاح مدينة وهران إلى الباي محمد بن عثمان الكبير”.
وأشار إلى أنهم “اتخذوا جبل المائدة (المرجاجو) موقعا استراتيجيا ليكون قاعدة لعملياتهم ضد الاحتلال، ومن هذا الرباط، شنوا عدة معارك، كان أبرزها معركة الأقوال سنة 1791”، وفقا لما أشير إليه.
وفيما يتعلق بتشكيلة الجيش وعدده، أفاد محدثنا بأن “الباي محمد بن عثمان عمل على تطوير جيش الطُلبة ليصبح وحدة نخبوية ذات تدريب متقدم وتسليح جيد، تحمل إرادة قتالية عقائدية راسخة، وقد بايعته على الموت”.
واستند في ذلك إلى ما ذكره شيخ علماء الجزائر والمؤرخ الكبير أبو راس الناصري في كتابه “عجائب الأسفار ولطائف الأخبار”، بالإضافة إلى تأكيدات بن سحنون في كتابه “فتح وهران”، الذي يقدم معلومات شاملة حول تكوين الجيش، والمتطوعين، والطلبة المرابطين في رأس العين، شاملا تفاصيل عددهم وعتادهم وتنظيماتهم وقيادتهم ومواقع تمركزهم.
يقول أحمد بن سحنون “فجاءهم في جند عظيم، شديد البأس يحتوي على خمسين ألفا، وقد قسّمه، فترك معظمه معه وأنزل الباقي مع ابنه الأنجب السيد عثمان، وبعضه الآخر مع صهره الأجل السيد محمد بن إبراهيم، كل منهما على جهة بمحلة عظيمة، مع الأول أهل تلمسان وأحوازها وقبائل من الأعراب كفليتة وغيرهم، ومع الثاني أهل مازونة ومستغانم وأعراب الشرق”.
وقد تطرق محدثنا أيضا إلى الشخصيات الدينية والتاريخية البارزة التي لعبت دورًا محوريًا في معركة التحرير، مثل أبو راس الناصري (المعروف بسيدي بوراس في معسكر) والشيخ سيدي امحمد بن عودة (من غليزان)
المرشد السياحي الشاب، فرحات نسيم، أوضح أيضا مسار جولاته السياحية قائلا: “أبدأ معظم جولاتي بزيارة مسجد رباط الطُلبة، حيث أروي للسياح تفاصيل قصة تحرير وهران، ثم أتوجه إلى حصن سانتا كروز لشرح أحداث حصار العثمانيين للإسبان، وأختتم الجولة بالنزول إلى قصر الباي لتسليط الضوء على قصص الباي محمد بن عثمان الكبير والبايات الذين حكموا وهران”.
من جهته، بيّن مدير الشؤون الدينية والأوقاف لولاية وهران، قداري لخضر، أن “العلماء والطلبة وأعضاء الزوايا لعبوا دورا بارزا في المجتمع، وكان لهم تأثير ملموس في صنع القرارات، وهو ما دفع الباي محمد بن عثمان الكبير إلى إدراجهم في خططه وجيوشه العسكرية لتحرير وهران”.
أكّد قداري في تصريح لـ “الشعب” على “الأهمية الكبيرة للرباطات في جهود التحرير وإنهاء السيطرة الإسبانية التي امتدت لنحو ثلاثة قرون”، مبرزا “الدور القيادي لجيش طلبة القرآن الكريم، المتطوعين للجهاد تحت قيادة محمد بن عثمان الكبير”.
واعتبر أن “مسجد رباط الطُلبة، الذي دشن في عام 2018، يُعد أكثر من مجرد مكان لأداء الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والتراويح، إذ يمثل تجربة شاملة تجمع بين العبادة، والتأمل، والاستمتاع بجمال الطبيعة وروعة الفن المعماري الإسلامي”.
في هذا السياق، أوضح المسؤول بأن “المديرية قدمت مقترحا لإقامة نصب تذكاري في الموقع ذاته، تكريما لذكرى هؤلاء الطلبة، ولإبراز العلاقة التاريخية المميزة التي تربط المسجد بالموقع، وذلك في إطار المساعي والجهود، الهادفة إلى تعزيز التواصل بين الأجيال وتذكير الشباب بتضحيات من سبقوهم لاستلهام العبر والاقتداء بمسيرتهم المشرفة”.