ورثة جلادي الجيش السّري يواصلون هلوساتهم..والجزائر بصوت حازم وصارم:

يا فرنسا..لقد مضى وقت العتاب وآن وقت الحساب

حمزة.م

 

 انفصام سياســـــــــي حادّ..واليمــــــين المتطرّف يفقـــــد باريــــس البوصلــــــــــــة

تثبت تصريحات المسؤولين الفرنسيين، داخل الحكومة أو على مستوى القوى السياسية، أنّ باريس باتت تعيش «انفصاما سياسيا حادّا» جعل العلاقات مع الجزائر تقترب تدريجيا نحو القطيعة التامّة، وهي نتيجة سيتحمّل تبعاتها ومسؤوليتها - بالدرجة الأولى - الدولة الفرنسية والرئيس إيمانويل ماكرون المطالب بحسم موقفه من الفوضى التي يمرّ بها نظامه.

لحدّ الآن، أظهرت الجزائر حكمة وقدرة فائقة على ضبط النفس، في التفريق بين الدولة الفرنسية، وبين ما يصدر عن قوى سياسية من استفزازات وتصريحات عدائية، امتدّت في الوقت الراهن إلى وزراء داخل الحكومة.
ولعلّ الحدّ الفاصل، بين فرنسا الدولة وبين هذه القوى السياسية وامتداداتها داخل الحكومة، هو الرئيس إيمانويل ماكرون، باعتباره رأس النظام السياسي الرسمي، وبإمكانه أن يحدّد خيار بلاده من مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.
ومن المهم أن تتيقّن الجزائر ممّا إذا كان النظام الفرنسي قد انهار كليا في يد اليمين المتطرّف، وبالتالي فإنّ ما يصدر عن هذا الأخير يتوافق مع الموقف الرسمي. وإذا لم يحدث ذلك فعلا، فعلى فرنسا الرسمية أن تضع حدّا لكلّ هذه التصرفات العدوانية التي لا مبرّر لها.
وإلى غاية تبين الخيط الرفيع، وجهت الجزائر، أمس، عبر بيان وزارة الشؤون الخارجية رسالة حازمة إلى باريس، مفادها أنّ العدّ التنازلي لنفاد الصبر قد بدأ فعليا، حيث سمّت الأشياء بمسمّياتها قائلة: «لقد صارت الجزائر على ما يبدو محط مشاحنات سياسية فرنسية-فرنسية يسمح فيها بكلّ أنواع المناكفات السياسوية القذرة في إطار منافسة يحرّض عليها ويوجّهها ويأمر بها اليمين المتطرّف».
وأَضافت مشدّدة «إنّ هذه الحركية التي تستدرج في سياقها، ليس فقط القوى السياسية الفرنسية، بل أيضا أعضاء الحكومة الفرنسية، سيكون لها عواقب غير محسوبة على جميع جوانب وأبعاد العلاقات الجزائرية-الفرنسية».
أمام هذه اللهجة الشديدة والصريحة، هل ينبغي على باريس أن تفهم بأنّ الجزائر وجّهت لها الإنذار الأخير؟. بالنظر إلى تواصل مسلسل التهجّم على الجزائر، فيجب أن يفهم على أنّه كذلك، لأنّها كدولة ذات سيادة، لا يمكن أن تقبل بتصريحات وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو الذي أعلن عن تدابير تقييدية على التنقل إلى الأراضي الفرنسية بحقّ رعايا جزائريين حاملين لجواز السفر الدبلوماسي.
لقد أثبت هذا الوزير أنّ حكومة بلاده تعيش «حالة انفصام حادّ»، فهي تريد التنصّل من اتفاقية 2007 دون التقيّد بفحوى المادة السابعة منها، وفي نفس الوقت يجدّد استعداده إلى القدوم إلى الجزائر من أجل الحوار؟.
الوزير بارو الذي ينافسه زميله في وزارة الداخلية على حقيبة الدبلوماسية، استعمل لأول مرة مصطلح «عقوبات» في تناول العلاقة مع الجزائر، فكيف له وهو من يصبّ الزيت على النار بتصريح تصعيدي خطير، أن ينتظر قبول طلب زيارته إلى الجزائر؟.
لقد ارتكبت الحكومة الفرنسية، ممثلة بهؤلاء الوزراء خطأ جسيما آخر، مع الجزائر، بإقدامها على تدابير تخلّ بالاتفاقيات المبرمة بين البلدين، حيث تنصّ المادة السابعة من اتفاقية إلغاء التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية على أنّه «يستطيع كلّ من الطرفين إلغاء الاتفاق الحالي في أيّ وقت، على أن يتمّ إشعار الطرف الآخر مسبقا بتسعين يوما، عبر القناة الدبلوماسية».
وتنصّ في فقرتها الثانية أنّه «يمكن إيقاف تطبيق هذا الاتفاق إجمالا أو جزئيا من طرف إحدى الحكومتين على أن يتم الإخطار بهذا الإيقاف أو إلغائه عبر القناة الدبلوماسية».
ولم تلتزم الحكومة الفرنسية، بنصّ هذه المادة مثلما لم تفعل حينما حاولت ترحيل مواطن جزائري قسرا أنصفته المحكمة لاحقا، مقدّما صورة سيئة عن إدارة ظهرها للقانون ممثلا في اتفاقيات دولية.
انقسام وضعف في الموقف
من الواضح أنّ بعض المسؤولين الفرنسيين، بصدد البحث عن «انتعاشة معنوية»، بالتناول السيئ لكلّ ما هو جزائري، وكأنّهم يريدون طمأنة كتلة ناخبة معيّنة أنّ بلادهم لازالت تتمتع بالنفوذ دوليا، ويريدون أيضا استرضاء ذوي الإيديولوجية الاستعمارية.
وبينما يستقوي اليمين المتطرّف بتيار اليمين ووزرائه داخل الحكومة لتمريره أجندته المعادية للجزائر، تريد الحكومة الفرنسية الاستقواء بالدول الأوروبية ضدّ الجزائر، لكن دون جدوى.
واللافت، أنّ باريس مرتبكة جدّا، من قدرة الجزائر على بناء علاقات جديدة مفعمة بالبراغماتية مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا، إذ تزامت تصريحات بارو مع زيارة ناجحة جدّا لوزير الداخلية إبراهيم مراد إلى مدريد، حيث أعلن وزير الخارجية الفرنسي، قبل اجتماع حكومي حول الهجرة، أمس، أنّه سيقترح طلب مساعدة دول أوروبية في تقليص منح التأشيرات للبلدان التي لا تتعاون مع بلاده، لكن محاولة باريس جرّ بقية العواصم للمستنقع الذي صنعته لنفسها لا تلقى أدنى استجابة.
ليس هذا فحسب، فهناك قوى سياسية فرنسية، ترفض طريقة تعامل الحكومة الحالية مع الجزائر، فبعد أن وبّخ رئيس الوزراء السابق دومينيك دوفيلبان، وزير الداخلية برينو روتايو، جاء الدور على البرلماني إيريك كوكرال، الذي خاطبه قائلا «عليك أن تعي أنّ الاستعمار انتهى، لم يعد وزير الداخلية من يدير العلاقات مع الجزائر..هل نفكّر في 6 ملايين من مواطنينا الذين يرتبطون بطريقة أو بأخرى مع الجزائر».
حالة انقسام الأوساط السياسية في فرنسا، تجسّدت في تصريحات الصحفي الفرنسي جون ميشال أباتي، الذي أكّد في حصة تلفزيونية، أمس الأول، «أنّ النازيون أخذوا عن الاستعمار الفرنسي أفعاله المشينة بحقّ الجزائريين».
أباتي تحدّث بقرائن وبراهين حقيقية، مستدلاّ بقتل الاستعمار لجزائريين لجؤوا إلى أحد الكهوف بدخان النيران التي أشعلوها في مدخل الكهف، فماتوا اختناقا، ليتعرّض إلى سيل من الهجمات من قبل أوساط اليمين المتطرّف الذين يسعون عبثا لتبييض الصورة السوداء من تاريخ بلادهم. حالة الفصام التي تعيشها فرنسا، والتي توجّه سلوكها المتقبل نحو الجزائر، لا يمكن أن تستمرّ طويلا، خاصّة وأنّ الدولة الجزائرية أكّدت أنّها «ترضخ بأيّ شكل من الأشكال، بل إنّها ستردّ على أيّ إجراء يضرّ بمصالحها بتدابير مماثلة وصارمة وفورية».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19709

العدد 19709

الثلاثاء 25 فيفري 2025
العدد 19708

العدد 19708

الإثنين 24 فيفري 2025
العدد 19707

العدد 19707

الأحد 23 فيفري 2025
العدد 19706

العدد 19706

السبت 22 فيفري 2025