صـــــرح المــــقــــاومــــة وحــــفــــظ الـــــهــــويـــــة بـــــــــالجـــــلـــــفـــــة..

مدرسة “الإخلاص”.. مسارات الأنوار ودروب الانتصار

موسى دباب

 

منذ تأسيس مدينة الجلفة عام 1861، خضعت المنطقة لسيطرة استعمارية قاسية، تميزت بالتضييق على الوظائف الدينية والتعليم القرآني، مع مراقبة شديدة على تمويل الزوايا والمساجد. ولكن مع بداية حركة الإصلاح عام 1926، وبداية علاقة الشيخ محمد بن شونان بالإمام عبد الحميد بن باديس، دخلت الجلفة مرحلة جديدة من الوعي الديني والتربوي، كان من ثمارها تأسيس مدرسة الإخلاص والخلاص.


في هذا السياق، أكد الشيخ الجابري سالت أن “هذه المبادرة جاءت بدافع المصلحة العامة، وحرصا على مستقبل الأبناء، لتعليمهم القرآن الكريم ومبادئ الشرع، بالإضافة إلى استعادة مكانة اللّغة العربية التي كانت قد غيّبت عن أبناء الوطن”. وأضاف أن هذه الخطوة كانت من رجال من نخبة الجلفة، الذين قرروا تأسيس معلم تربوي وأكاديمي في قلب المدينة.
من جانبه، أشار علي براهيمي (أحد تلاميذ المدرسة) إلى أن التسمية جاءت من جمعية الإخلاص التي تأسست في 28 فبراير 1940، والتي ضمّت أعيان المدينة في تلك الفترة. وقد كان هدف الجمعية الأساسي الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية، إلى جانب دعم الحركة نحو استقلال الوطن. وأضاف براهيمي أن الجمعية كانت تضمّ أعضاء منخرطين في أحزاب سياسية مختلفة، مما يعكس تنوّعها الفكري.
وأكد براهيمي أيضا أن الجمعية تقدّمت بطلب لإنشاء مدرسة، إلا أن الإدارة الاستعمارية في الجلفة رفضت الطلب. حيث كانت المدينة تحت السلطة العسكرية في غرداية، مما دفع الجمعية إلى مراسلة الحاكم العسكري في غرداية برسالة مؤرخة في 1943، تطالب فيها بموافقة لإنشاء مدرسة قرآنية فقط.
تضليل الاستعمار لتأسيس المدرسة
وبحسب شهادات موثقة ومقاطع أرشيفية، من شريط حول المدرسة أنجزه المخرج علي عائد بعيطيش، فإنه في خطوة تكتيكية لتجاوز القيود الاستعمارية، يقول بلقاسم العمراوي، أحد أعيان ولاية الجلفة، أن مشروع بناء مدرسة الإخلاص تم تقديمه على أنه مبادرة من أعيان المدينة الذين لا ينتمون إلى أي توجه سياسي. من بين هؤلاء الأعيان، ذكر العمراوي أسماء مثل بن لبخيتي والحاج لخضر بن لعمراوي. الهدف من هذا التكتيك كان إقناع الإدارة الاستعمارية بأن المشروع تعليمي بحت، دون أي نية سياسية، وهو ما ساعد على تجاوز العديد من العراقيل التي فرضتها السلطات الفرنسية على أي نشاط تعليمي مستقل.
وفي سياق مماثل، يذكر علي براهيمي أن سي عبد الله براهيمي اقترح على الجمعية مقرا واسعا لتوسيع نشاطاتها، وتم إبرام عقد كراء بينه وبين جمعية الإخلاص. كان هذا العقد بمثابة غطاء قانوني يضمن أن تعود المدرسة لاحقا إلى جمعية الإخلاص بشكل رسمي. وبمجرد استكمال الإجراءات القانونية، تم افتتاح المدرسة وبدأت نشاطاتها التعليمية، حيث تولى التدريس فيها الشيخ العلامة سي عطية مسعودي، الذي كان من أوائل المدرّسين الذين أسهموا في نشر التعليم الديني والوطني في الجلفة.
إعادة تأسيس مدرسة الإخلاص
كما أكد الشيخ الجابري، أنه في بداية الأربعينيات، بدأ التفكير في استقدام معلم لتعليم أبناء المدينة القرآن الكريم. وقع الاختيار على الشيخ سي عطية بن مصطفى مسعودي، الذي كان آنذاك معلما للعلم والقرآن في زاوية الجلالية. استجاب الشيخ مسعودي لدعوتهم وانتقل إلى الجلفة للقيام بهذه المهمة. لكن المدرسة لم تقتصر على تدريس القرآن فقط، بل شملت أيضا تعليم اللغة الفرنسية، حيث التحق بها الطلاب الذين كانوا يدرسون في المدرسة المتوسطة المركزية الخاصة بالذكور. كان الهدف من ذلك تحصين هؤلاء الطلبة دينيا ومعرفيا، ليُنتشلوا من حياة الشارع ويوجهوا نحو حياة تتماشى مع الشريعة الإسلامية، في مواجهة محاولات المحتل لفرض ثقافته.
وكان مقر المدرسة الأول يقع بمحاذاة مسجد سي أحمد بن الشريف من الجهة الشمالية.
شراء المقر الجديد وتوسيع النشاط التعليمي
في عام 1946، قررت جمعية الإخلاص شراء مقر جديد للمدرسة، وتمكنت من اقتناء المقر الحالي في مزاد علني بتاريخ 30 ديسمبر 1946، بمبلغ 92 ألف فرنك، تم جمعها بالكامل من تبرعات السكان، رغم قلة عددهم وكثرة حاجاتهم. وكان رئيس الجمعية في ذلك الوقت الشيخ كاس بن البخيتي، الذي أشرف على هذه العملية.
وفي هذا السياق، يروي الشيخ الجابري، مدير المدرسة، أن جمع هذا المبلغ لم يكن سهلا، لكن أهل المدينة أصروا على إنجاح المشروع، حتى لو كان ذلك على حساب احتياجاتهم المعيشية. وبعد شراء المقر، قررت الجمعية توسيع النشاط التعليمي ليشمل تطبيق برنامج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، خاصة بعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس. لهذا الغرض، تم استقدام معلمين جدد، مثل الشيخ محمد الرايس، والشيخ لخضر بن القويني رحمهما الله. وقد عمل هذان المعلمان على تدريس مقررات جمعية العلماء، التي أصبحت الإطار الفكري والتربوي للمؤسسة، ما ساهم في ترسيخ الوعي الديني والوطني لدى الأجيال الصاعدة.
جريدة البصائر.. عنوان الفكر الإصلاحي
وكانت جريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من أبرز الوسائل الإعلامية التي ساهمت في نقل الفكر الإصلاحي والتجديدي إلى منطقة الجلفة. فقد نشرت الجريدة مقالات ركزت على مكافحة البدع، محاربة الجهل، الدعوة إلى تحرير العقل، مواكبة العصر، وتعزيز الهوية الوطنية. ولم يكن أبناء الجلفة مجرد متلقين لهذا الفكر الإصلاحي، بل شاركوا بفعالية في إثراء محتوى الجريدة، حيث كتب فيها العديد من الشخصيات البارزة مثل محمد بن عبد الرحمن النعاس، الأخضر المسعدي، محمد شونان، والشيخ عبد القادر بن إبراهيم المسعدي.
وتعد علاقة أبناء الجلفة بالحركة الإصلاحية أكثر من مجرد الكتابة والنشر؛ فقد كانت لهم صلات وثيقة مع رواد الجمعية، على رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، الذي خلفه في رئاسة الجمعية. وقد توثقت هذه العلاقة عبر تبادل الرسائل واللقاءات، ما أدى إلى زيارة تاريخية قام بها الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مدرسة الإخلاص، تبعها زيارة الشيخ الإبراهيمي، ما عزّز ارتباط المنطقة بمشروع الإصلاح الديني والفكري الذي قادته الجمعية.
زيارة الشيخ ابن باديس إلى الجلفة
ذكر يحي مسعودي، أحد المعلمين السابقين بمدرسة الإخلاص، أن الشيخ عبد الحميد بن باديس زار الجلفة في الثلاثينيات قبل أن يتوجه إلى مسعد. وقال إن الشيخ سي محمد بن شونان كان من بين الذين تولوا استقبال ابن باديس، إلى جانب مجموعة من أعضاء جمعية مدرسة الإخلاص. وكان لهذه الزيارة تأثير بالغ في أهل الجلفة، الذين احتفوا بالشيخ ابن باديس كرمز للإصلاح والتجديد الفكري والديني.
وخلال زيارته، التقى الشيخ عبد الحميد بن باديس بالشيخ سي عطية بن مصطفى مسعودي، الذي كان آنذاك شابا فقيها متمكنا من العلوم الشرعية. وقد دار بينهما حوار علمي عميق أظهر نبوغ الشيخ سي عطية وسعة اطلاعه. وفي إحدى الجلسات، طلب ابن باديس من الشيخ سي عطية أن يقترح عنوانا للدرس الذي سيلقيه، فقدم له اقتراحا صائبًا وهو “الاعتصام بحبل الله”. وقد أعجب ابن باديس بهذا الاقتراح وقال له “لقد أصبت، وهذا ما كان في بالي”.
حذاء “الفرتالة” .. رمز للواقع الاستعماري
يروي الأستاذ أحمد صالحي، الباحث في التاريخ، أن الشيخ عبد الحميد بن باديس، خلال زيارته لمنطقة الجلفة، مرّ عبر منطقة المعلبة برفقة أحد مرافقيه. وبينما كان في الطريق، لفت انتباهه أحد الفلاحين، الذي كان يرتدي حذاء مصنوعا من الحلفاء، وهو ما يعرف في المنطقة بـ«الفرتالة”. يقول الأستاذ صالحي: “تأمل ابن باديس المشهد لحظة، ثم توجه بالسؤال إلى الفلاح، قائلا: “ما هذا الحذاء؟ فأجابه الفلاح بفخر:  ‘إنه حذاء صنعته من الحلفاء بيدي، ثم التفت ابن باديس إلى مرافقه وقال له “أريد أن أشتري حذاء مثل هذا، لأضعه في مكتبي، ليكون شاهدا على كذب فرنسا. لقد زعمت أنها جاءت إلى الجزائر لتنشر الحضارة، لكنها بعد قرن من الاحتلال، جعلت الجزائري يصنع حذاءه من الحلفاء”.
كان هذا الموقف تعبيرا رمزيا قويا عن حقيقة الاستعمار الفرنسي، الذي رغم ادعاءاته في “تمدين” الجزائر، أبقى شعبها غارقا في الفقر والحرمان. كما يشير الأستاذ صالحي إلى أن الحذاء البسيط كان يرمز إلى واقع الاستعمار، حيث أن الجزائر التي كانت تفتقر لأبسط متطلبات الحياة، لم تستفد من “الحضارة” الفرنسية المزعومة.
مدرسة الإخلاص.. صمود رغم القمع
في عام 1947، يروي الشيخ الجابري أنه استأنف كل من الشيخ لخضر بن القويني والشيخ محمد الرايس نشاطهما التعليمي في مدرسة الإخلاص، التي استمرت في تقديم التعليم رغم الظروف القاسية التي فرضها الاستعمار. ورغم التضييق الكبير، استمرت المدرسة في أداء رسالتها التعليمية حتى اندلاع الثورة التحريرية.
وفي ظل القمع الفرنسي، لم تتراجع المدرسة عن تقديم تعليم يمزج بين المعارف الحديثة والتعاليم الإسلامية، محاولين ترسيخ اللغة العربية في بيئة كان الاستعمار يسعى فيها إلى فرض هيمنته الثقافية واللغوية. وبذلك، حافظت مدرسة الإخلاص على الهوية الوطنية والدينية، متحدية سياسات الاستعمار بكل الوسائل المتاحة.
معقل الهوية الوطنية
لم تكن مدرسة الإخلاص مجرد فضاء للتعليم، بل كانت قلعة للحفاظ على الهوية الوطنية في زمن الاستعمار. كانت المواد العلمية تدرس باللغة العربية، في تحدٍ مباشر لمحاولات فرنسة التعليم وطمس الثقافة المحلية. هذا الاختيار كان يحمل رسالة واضحة، وهي الحفاظ على اللغة العربية كركيزة للهوية الجزائرية في مواجهة السياسات الاستعمارية التي كانت تهدف إلى إضعاف الثقافة الوطنية.
ويذكر الشيخ الجابري أن الأناشيد التي كان يرددها الطلاب داخل المدرسة تعكس هذه الروح الوطنية، مثل النشيد الذي كان يتردد “من جبالنا طلع صوت الأحرار”، في حين كان الطلاب في المدارس الفرنسية يؤدون النشيد الرسمي الاستعماري. وكانت هذه الأناشيد وسيلة لتعزيز الانتماء الوطني وغرس الروح المقاومة في نفوس الطلاب.
وبهذه الطريقة، لم تكن المدرسة تعلم القراءة والكتابة فقط، بل كانت تربي الأجيال على الوعي الوطني والانتماء إلى الجزائر، ما جعلها أحد معاقل المقاومة الثقافية في وجه الاحتلال.
 تعليم مزدوج ورسالة وطنية
كشف علي براهيمي عن نظام التعليم الفريد في مدرسة الإخلاص، حيث كان هناك فوجان دراسيان: فوج صباحي يدرس في المدرسة ثم يلتحق بالمدرسة الفرنسية، وفوج مسائي يبدأ من الخامسة مساء حتى العاشرة ليلا بعد انتهاء الدراسة في المدارس الفرنسية. هذا النظام كان يتطلب من الطلاب مضاعفة الجهود، حيث تلقوا تعليما متكاملا يشمل القرآن الكريم إلى جانب مواد أخرى، ما جعل المدرسة تخرج مجاهدين ورجالا وطنيين. الهدف كان واضحا، وهو الحفاظ على الهوية الجزائرية رغم محاولات الاستعمار طمسها.
رسالة تتواصل..
يوضّح الشيخ الجابري أن مدرسة الإخلاص، بعد الاستقلال، لم تتوقف عن أداء رسالتها التربوية. فقد كلف المجاهدون بالإشراف على مواصلة التعليم، إدراكا منهم لأهمية تكوين الأجيال المقبلة بعد رحيل الاستعمار.
ومع حلول عام 1963، خضعت المدرسة لتحول إداري، حيث ألحقت بوزارة الإرشاد القومي، التي تبنتها ضمن منظومة التعليم العمومي. ومع ذلك، استمرت المدرسة في الحفاظ على خطها الدعوي والفكري الذي ميزها منذ تأسيسها، مما جعلها تستمر في أداء رسالتها التعليمية حتى بعد الاستقلال.
منارة علم مستمرة
لم ينقطع نور مدرسة الإخلاص، بل استمرت في أداء رسالتها في نشر العلم والمعرفة، محافظة على دورها في تعليم مختلف فئات المجتمع، من الكبار والصغار وحتى النساء. اليوم، تدرس فيها علوم الفقه، القرآن الكريم، وسائر علوم الدين، مما يبرز دورها المحوري في الحفاظ على الثقافة الإسلامية وتعليم الأجيال الجديدة.
ووفقا لما أشار إليه الاعلامي والمخرج علي عائد بعيطيش، فإن مدرسة الإخلاص ما تزال وفية للعهد الذي أسسه الجيل الأول من العلماء والمعلمين، بدءا من الشيخ سي عطية، وصولا إلى الشيخ سي عامر الذي واصل التدريس فيها بعد الاستقلال، ثم الشيخ الجابري سالت الذي حمل مشعل التعليم للأجيال اللاحقة. هؤلاء الأعلام لم يقتصر دورهم على تدريس المواد الدراسية فقط، بل كانوا يحملون رسالة وطنية وفكرية في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للأجيال المتعاقبة.
وهكذا، تظل مدرسة الإخلاص شاهدة على إرادة أبناء الجلفة في الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية، رغم كل التحديات التي واجهوها عبر العقود. فمنذ تأسيسها في ظل الاستعمار، مرورا بفترة الثورة التحريرية، وصولا إلى مرحلة الاستقلال، لم تنطفئ شعلة العلم فيها، بل استمرت في أداء رسالتها التربوية. لقد احتضنت الأجيال المتعاقبة، وظلت محافظة على مبادئها التي قامت عليها، لتبقى مدرسة الإخلاص أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية. وانما ذاكرة جماعية ورمز خالد لمسيرة التعليم والإصلاح التي سطرها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحافظوا على شعلة العلم حيّة رغم كل الظروف.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19738

العدد 19738

الأربعاء 02 أفريل 2025
العدد 19737

العدد 19737

السبت 29 مارس 2025
العدد 19736

العدد 19736

الجمعة 28 مارس 2025
العدد 19735

العدد 19735

الأربعاء 26 مارس 2025