أيمـــــــــن وريمــــــــــاس وعــشـــــــــــــــرات آلاف الأطفال في فلسطين

بقلم: د - ولاء بطاط

 

أيمـــــــــن وريمــــــــــاس وعــشـــــــــــــــرات آلاف الأطفال في فلسطين

 
بين أيمن الهيموني وريماس العموري، تتجلى جراح عميقة، تجذرت في أرضنا الممتلئة بالأحزان، جراح قد تمتد إلى مئات السنين من الألم. كيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يتجاوز هذه الآلام الغائرة؟ بعد اغتيال أكثر من عشرين ألف طفل، كانوا رموز الأمل والغد، نقف اليوم مثقلين بأحمالنا ونتساءل: كيف نحمي أطفالنا؟ أين نخبئهم من هذا الاحتلال المجرم، الذي وجه سهامه منذ اللحظة الأولى نحو أحلامهم وقلوبهم، متجاهلاً القيم الإنسانية، ومستهيناً بالقوانين الدولية؟


 في الأمس، كان أيمن الهيموني يمارس حقه الطبيعي في اللعب مع أصدقائه أمام منزله، يحاول أن يتناسى واقعه المرير الذي يحيط به بنادق ودبابات الاحتلال الصهيوني. لكن رصاصة غادرة اخترقت صدره الصغير، وهو يحاول الهروب إلى حضن أمه، تاركًا خلفه أنفاسه الأخيرة، وهو ينطق بكلمات مؤلمة: “طخوني ببطني يا ماما”، ماذا كان بيد أمه، وهي تشهد فراق طفلها الأبدي بين أحضانها، سوى أن تتساءل: “ألا يمكنني أن أخبئ طفلي في قلبي من هذا الجنون؟” ولكن الإجابة كانت لا، فقد فات الأوان، ورحل صغيرك، وما يمكنك سوى أن تحتضنيه، صارخة: “لا تتركني يا صغيري”.
في زاوية أخرى، كانت ريماس، الأميرة الصغيرة، تلعب في مأمن منزلها، عندما أصابها قناص صهيوني حاقد برصاصة قاتلة، تاركا إياها تنزف حتى الموت. لم يدرك ذلك القنّاص أن أحلام ريماس كانت أكبر من جدران المخيم، وأنها كانت تفكر في غدٍ خالٍ من الحصار، تستعد لاختيار ملابسها الأنيقة، وتبحث عن الحرية التي تتمناها.
كانت تسأل نفسها: “متى سينتهي هذا الحصار؟ متى سأخرج لأشتري الشاورما وعصير الكوكتيل، وألعب بحرية في شوارع المخيم؟” كانت تعيش كعصفورة تحلق نحو السماء، تريد أن تتعلم وتصبح أجمل أميرة.
لم يقرأ القنّاص الغادر أحلام ريماس قبل أن يقتلها، ولم يفكر أيضًا في حقوق ومستقبل أيمن قبل أن يغتالهما كما اغتالوا أرواح الآلاف من أطفالنا، وكل القلوب الفلسطينية التي تجرعت مرارة الفراق. إن هذا الاحتلال الغاشم لم يقتل أيمن وريماس وآلاف الأطفال فحسب، بل اغتال كل فلسطيني، ولا يزال يواصل استهداف أطفالنا، مستمرا في شقائنا.
لم يسمع القناص المجرم صرخات الأمهات وهي تتفجر، ولم تهتز يداه وهو يقتنص أرواحا وديعة، كأنما يقتطف زهورا لم تُكمل تفتحها. لم يشعر بذلك الألم الذي ينهش قلب أم، احتضنت صغيرها الغارق في دمائه، تلفه بذراعيها كما لو أنها تحاول إعادة الروح إليه، لكن صمت الموت كان أقوى من رجائها.
في تلك اللحظة، لم تكن تودّعه فقط، بل كانت تدفن معه جزء من روحها، تضعه تحت التراب وكأنها تُهيل على قلبها غبار الفقد، فلا يبقى فيه نبض سوى صوت أنفاسها المتقطعة بالبكاء..آهٍ لو شعر القاتل بلحظة الانكسار حين ينطفئ ضوء الحياة في عيون أم، حين يتحول حضنها من ملاذ دافئ إلى نعش يحتضن فلذة كبدها للمرة الأخيرة! لكنه مجرد من كل إحساس، لا يدرك أن هناك قلوبا تموت واقفة، وأرواحا تدفن وهي ما زالت على قيد الحياة.
إلى ريماس وأيمن وعشرين ألف حلم غادرونا، تأكدوا أن سماء البلاد وأرضها تبكيكم، فلن تغيبوا عن ذاكرتنا. كونوا على ثقة أنكم الغد الذي سُطِّر بدمائكم، وسيكتب من جراحنا العميقة حتى نصل إلى الحرية، وحتى نقتص من هذا المجرم الغاشم.
ستظل أرواحكم نبراسا يُضيء دروب الأمل في قلوبنا، وستبقى ذكراكم حية في صدورنا، تذكيراً بأن الأمل لا يموت، بل يتجدّد مع كل جرح ودمعة، حتى نحقق حلمكم بالحرية. وإلى أن تشرق شمس الحرية، يظل الطفل الفلسطيني أسيرا في قفص الظلم، يراقب الحياة من خلف قضبان المعاناة، ينتظر لحظة يتذوق فيها طعم الأمان كما يفعل أقرانه في بقاع الأرض.
لقد وهبته القوانين الدولية مظلة تحميه، وفتحت له اتفاقية حقوق الطفل أبواب الأمل، لكن الاحتلال الصهيوني مزّق تلك المظلة، وأغلق الأبواب في وجه أحلامه، تاركًا إياه في مهب الريح، بلا مأوى ولا ملاذ. أيُ جرم اقترفه هذا الطفل ليُحرم من أبسط حقوقه؟ حقه في أن يركض بين الأزقة دون أن تعترضه قذيفة، أن يلهو بدمى لم تُغطَّ بتراب المقابر، أن يحلم بغدٍ لا يُقصَف فيه الأمل؟ لكنه، بدلاً من ذلك، يجد نفسه يلهو بين الركام، ويحتضن الخوف كرفيق دائم، بينما تطارده يد البطش التي لا ترحم إنه طفلٌ يُولد على هامش الأمان، يخطو خطواته الأولى فوق الشظايا، ينظر إلى السماء فلا يرى سوى طائرات الموت، وإلى الأرض فلا يجد إلا بقايا حياة وأشلاء أحلام.
وهنا، يقف المجتمع الدولي متثاقلا، يراقب بصمت جريمة تُرتكب على مرأى العالم، وكأن صرخات الأطفال ليست إلا همسًا عابرا في ضجيج المصالح. فإلى متى يبقى الطفل الفلسطيني مرهونًا بألم لا ينتهي؟ وإلى متى تظل طفولته مسروقة بين أنياب الظلم؟

 

رأيك في الموضوع

« أفريل 2025 »
الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30        

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19738

العدد 19738

الأربعاء 02 أفريل 2025
العدد 19737

العدد 19737

السبت 29 مارس 2025
العدد 19736

العدد 19736

الجمعة 28 مارس 2025
العدد 19735

العدد 19735

الأربعاء 26 مارس 2025