إزالة الرّكام والعمل على البنية التّحتية وإعادة تأهيل المجتمع

هذه أولويات إعمار قطاع غـزّة

بقلم: الأسير المحرر- محمد الحلبى المدير الأسبق لمؤسّسة الرّؤيا العالمية

منذ السّابع من أكتوبر، يتعرّض الأسرى الفلسطينيّون في السّجون الصهيونية لعزل تام عن العالم الخارجي بعد مصادرة الهواتف المحمولة وأجهزة الراديو، ما جعلنا نجهل تمامًا تطوّرات الحرب حتى الليلة التي سبقت الإفراج عني. خلال تلك الليلة، التقينا بضابط من المخابرات الصّهيونية (الشاباك)، وكان خلفه بوسترات تُظهر حجم الدمار في قطاع غزة، وكانت تلك رسالة لنا بأن هذا ما ينتظرنا في غزة.

 عند وصولي إلى القطاع ضمن صفقة التبادل، انتهى فصل من المعاناة والحرمان ليبدأ فصل جديد من المشاهد المؤلمة.
ففي طريقي من معبر كرم أبو سالم إلى منزلي، رأيت حجم الدمار الهائل في البيوت والمصانع والبنية التحتية، وكأن زلزالًا عنيفًا قد ضرب المنطقة، فلم يبقَ منها سوى بحر من الركام يمتد إلى ما لا نهاية.
أكوام من النّفايات الصلبة تكدست عند المفترقات، بينما تجري مياه الصرف الصحي في الشوارع بعد تدمير شبكات الصرف، في مشهدٍ يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالقطاع نتيجة الحرب.
عند لقائي أسرتي وأصدقائي، امتزجت مشاعر الفرح بعودتي مع الحزن والخوف من المجهول. فبدأ الجميع يروي عن ما حدث وعن واقع غزة المرير بعد الحرب لتخفيف صدمة ما سوف أراه.
فلم تبقَ هناك بيوتٌ ولا مدارس ولا مستشفيات، والمياه والكهرباء غير متوفرة، فيما تنتشر الأمراض والأوبئة، ورائحة الموت تفوح من بين الأنقاض التي لا يزال تحتها ضحايا لم يتمكن أحد من انتشالهم. وفي شمال غزة، حلّت المجاعة، واضطر الناس لأكل الحيوانات وأوراق الأشجار، بينما كانت المساعدات تُسرق في الجنوب من قبل لصوص محميين بالسياج الحدودي مع الصهاينة.
حتى شاحنات الإغاثة حُوِّلت إلى السوق السوداء، حيث ارتفع سعر كيس الطحين بوزن 25 كيلو من 10 دولارات إلى أكثر من 700 دولار، وأصبح سعر كيلو السكر يتراوح بين 30 و35 دولارًا، مما جعل النازحين يعيشون بين خطر القصف وخطر الجوع والنهب. حتى بعد الهدنة، استمرت أسعار المواد الأساسية في الارتفاع الحاد، بينما ظلت إمدادات الوقود والسلع الغذائية محدودة للغاية.
فقد زاد سعر كيلو غاز الطبخ من 1.5 دولار إلى 15 دولارا، وأيضاً زاد سعر البنزين والسولار إلى عشرة أضعاف. وكذلك أسعار الفواكه والخضروات فقد ازدادت خمس أضعاف سعرها الأصلي. مع تكدّس أكثر من 50 مليون طن من الركام، وآلاف الأطنان من النفايات الصلبة، وتدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع، بات الوضع الصحي في غاية الخطورة، ما ينذر بتفشي أوبئة جديدة تزيد من معاناة المواطنين.
لذا، أرى أنّ الأولوية القصوى في المرحلة الحالية هي إعادة تأهيل البنية التحتية، عبر إزالة الجبال من الركام، وتنظيف الشوارع من مياه الصرف الصحي لمنع كارثة بيئية وصحية أكبر. يمكن تحقيق ذلك من خلال جهود البلديات، بعد توفير المواد والمعدات اللازمة، بالتزامن مع إعادة بناء وتشغيل المستشفيات والمدارس، وتهيئة مساحات آمنة للأطفال لدعمهم نفسيًا بعد هذه الحرب المدمرة وذلك بالتوازي مع تأهيل القطاع الزراعي المدمر لإعادة الأمن الغذائي.
أما فيما يخص إعادة الإعمار، فإنّ الحل العملي لإزالة الركام في المخيمات يكمن في استخدام وحدات سكنية مركبة على النموذج التركي والذي استخدم بعد الزلزال الأخير الذي ضرب تركيا. كون البيوت هناك منخفضة الارتفاع، بينما يجب تسليم مهمة إزالة الركام خارج المخيمات إلى شركات دولية متخصصة، بحيث يُعاد تدوير الركام لاستخدامه في بناء الطرق وإنتاج مواد البناء.
كذلك، لا بد من استثمار جهود إعادة الإعمار في توسيع ميناء غزة، وتأهيل الأراضي الزراعية والدفيئات، وإصلاح آبار المياه، مما سيحسن الأمن الغذائي ويخفض الأسعار تدريجيًا. بعد حرب 2014، نجحنا في إعادة تأهيل آلاف الدونمات الزراعية خلال عام واحد، وبالرغم من الدمار الهائل الذي شهدته البنية التحتية الزراعية هذه المرة، إلا أنه يمكن استعادة القطاع الزراعي خلال عامين إذا توفرت الميزانيات والمواد اللازمة.
أما قطاع الصيد، فيمكن إعادة تشغيله خلال ثلاثة أشهر فقط، عبر توفير المعدات الأساسية للصيادين. أما على الصعيد البشري، فإن جميع سكان قطاع غزة قد تعرضوا لصدمة نفسية جراء الحرب التي لم تترك بيت إلا واستهدفته، ولكن الشريحة الأكثر تضرراً هي الأطفال، ما ينذر بنشأة جيل أكثر قسوة، إذا لم يتم تأهيل أطفال غزة نفسيًا واجتماعيًا.
فالتاريخ يشهد أن الأطفال الذين عايشوا حرب 2008 انضموا إلى المواجهات في 2011 بدافع الانتقام، ومن لم يتم تأهيلهم بعد حرب 2011 كانوا أكثر شراسة في 2014، وصولًا إلى هجوم 7 أكتوبر، الذي كان الأكثر عنفًا على الإطلاق.
إنّ استمرار الحصار الاقتصادي وفقدان الأمل يدفع الشباب للبحث عن أي جهة توفر لهم حياة أفضل، مما يسهل استقطابهم من قبل أطراف تسعى لتحقيق مصالحها في المنطقة، عبر استغلال مشاعرهم المتأججة نتيجة الدمار الذي شهدوه.
بعد حرب 2014، أنشأت منظمة الرؤية العالمية مساحات آمنة للأطفال، حيث تلقّى الآلاف منهم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وأطلقوا طائرات ورقية تحمل رسائل سلام للعالم.
كما دعّمت المنظمة عائلاتهم عبر برامج الأمن الغذائي، مما ساهم في توجيههم نحو بناء مستقبل ايجابي. لكن بعد إيقاف أنشطة المنظمة في 2016، ظهرت مؤشرات على انحراف الجيل الجديد، حيث استخدم الأطفال الطائرات الورقية لإشعال الحرائق في مستوطنات غلاف غزة، وهو دليل واضح على أن الحصار والحرب لا يجلبان سوى المزيد من العنف والخسائر للجميع.
لقد أثبتت سياسة التجويع والخنق أنها تزيد من التشدد والعداء، وأن النهج الصهيوني في التعامل مع غزة فشل فشلًا ذريعًا، كما ظهر جليًا بعد هجوم 7 أكتوبر.
حتى في السجون، أدى التنكيل والتجويع الذي تعرض له الأسرى الفلسطينيون بعد الهجوم إلى دفع بعضهم للانتقام واستهداف مدنيين صهاينة فور الإفراج عنهم. يجب على سلطة الصهاينة والعالم أن يدركوا أن القبضة الحديدية تأتي بنتائج عكسية في غزة، وأن استمرار الحصار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد.
في الختام، إنّ إعادة بناء غزة لا تتطلب فقط جهودًا هندسية، بل تحتاج أيضًا إلى رؤية شاملة تركز على إعادة تأهيل المجتمع نفسيًا واقتصاديًا، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وأملًا للأجيال القادمة.

 

رأيك في الموضوع

« أفريل 2025 »
الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30        

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19738

العدد 19738

الأربعاء 02 أفريل 2025
العدد 19737

العدد 19737

السبت 29 مارس 2025
العدد 19736

العدد 19736

الجمعة 28 مارس 2025
العدد 19735

العدد 19735

الأربعاء 26 مارس 2025