ترسيـخ ثقافـة “الرقمنـة الشاملة” وضمـان فاعلية البحث العلمـي
صادقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، السبت، على تشكيل لجنة بيداغوجية وطنية لتطوير التعليم الرقمي، وذلك خلال اجتماع ترأسه الوزير كمال بداري بحضور إطارات الوزارة ومسؤولي الندوات الجهوية، ورئيس مجلس أخلاقيات المهنة الجامعية، وجاء هذا القرار في سياق إعداد مشروع شامل لتقييم الوثائق البيداغوجية والدروس المنشورة عبر المنصات الجامعية، بقصد الارتقاء بجودة التعليم الإلكتروني وضمان توافقه مع المعايير الأكاديمية.
وقد أوكلت لهذه اللجنة مهام دقيقة ترتبط أساسا بتجويد المحتوى الرقمي وتوحيد مستهدفاته المعرفية، إذ ستعمل على وضع أسس علمية ومعايير واضحة تمنح الوثائق التعليمية وسما بيداغوجيا وطنيا يحدد قيمتها العلمية ومدى ملاءمتها للعملية التعليمية، وبهذا، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد إنتاج مواد رقمية لتغطية الجانب البيداغوجي، بل بإنشاء منظومة متكاملة تستند إلى الجودة والابتكار والتحسين المستمر للمحتويات.
ولا يتوقف دور اللجنة عند وضع المعايير الداخلية، بل يتعداه إلى ابتكار ميكانيزمات للتقييم الدوري الذي يسمح بقياس فعالية الوثائق الرقمية وأثرها على الطالب، في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالرقمنة الجامعية باعتبارها أداة حاسمة لإعادة تشكيل طرق التعلم وإعادة تموضع المؤسسات الجامعية ضمن الفضاء الأكاديمي الدولي، كما أن تعزيز مرئية الجامعة الجزائرية على الصعيد العالمي يمثل هدفا محوريا من وراء هذه الإصلاحات، حيث تراهن الوزارة على أن الانتقال من الرقمنة كأداة ظرفية إلى الرقمنة كخيار استراتيجي، سيمنح الجامعات الوطنية فرصة التواجد الفاعل في التصنيفات والمنتديات العلمية الدولية.
ويرى متابعون للشأن الجامعي أن هذه الخطوة تعبر عن انتقال نوعي يتحقق للتعليم العالي، فالوزارة لا تنظر إلى الرقمنة كمسألة تقنية فحسب، بل كإطار شامل لإعادة صياغة البنية البيداغوجية للجامعة الجزائرية، خاصة وأن المسعى اليوم يتمثل في بناء ثقافة جديدة قائمة على التقييم المستمر والحرص على الجودة، بما يجعل الطالب في قلب العملية البيداغوجية الرقمية، ويمنح الجامعة موقع الفاعل والمؤثر في زمن أصبحت فيه المنافسة العلمية والتكنولوجية رهانا وجوديا للدول.
وتشير هذه التطورات إلى أن الجزائر تسعى من خلال هذه المبادرة إلى الانتقال من التعليم التقليدي الذي ظل مرتبطا بالقاعة والأستاذ، إلى فضاء أرحب تتكامل فيه المنصات الرقمية مع آليات التقييم والمتابعة، بحيث يتحول التعليم إلى منظومة أكثر مرونة وشمولية. ولعل ما يميز هذه المرحلة هو أن الجامعة الجزائرية تراهن على بناء نموذجها الخاص في الرقمنة البيداغوجية، بما يتلاءم مع خصوصياتها، دون أن تنغلق على نفسها، بل في سعي دائم لمواكبة الجامعات العالمية وإحكام التحولات الكبرى التي تفرضها الثورة الرقمية.