أولـت السلطـات العليا اهتماماً بالغـاً لتشييدهـا وصيانتها

مساجد الجزائر.. واجهة لإبراز التراث وتعزيز الهوّية

علي عويش

تعدّ الجزائر من الدول الإسلامية التي تزخر بتراث ديني غنّي، يعكس مدى اهتمام الدولة بالرموز الدينية باعتبارها مراكز روحية، علمية وثقافية تسهم في تعزيز الهوية الإسلامية في البلاد، وقد أولت السلطات العليا اهتماماً بالغاً بالمساجد والمعالم الدينية، حيث قامت بترميم العديد منها وبناء مساجد جديدة تتماشى مع الطراز المعماري الإسلامي وخصوصيات المنطقة.

اهتمام الدولة بالمساجد انتقل بها من أماكن مخصصة للعبادة الى مراكز للعلم والثقافة ورمز لهوية الأمة الجزائرية، ومن خلال هذا الاهتمام المستمر بالمساجد من طرف الدولة، يبقى التراث الديني الجزائري راسخاً ومتجذراً يشهد على عظمة التاريخ الجزائري، ودليل على التزام الجزائر بالحفاظ على هويتها الدينية والثقافية.
شكلت المساجد في الجزائر نقاط تلاق روحية واجتماعية، ومراكز لنشر العلوم الشرعية واللغوية، حيث لم تتوقف هذه الرسالة رغم التحديات العويصة التي اعترضتها، حيث مرت الجزائر بفترات عصيبة كانت أشدها وطأة الفترة الاستعمارية التي استباحت فيها فرنسا كل المقدّسات الإسلامية في الجزائر وحاولت طمسها، لدرجة أنها حوّلت العديد من دور العبادة الى إسطبلات ومسارح ومراكز إدارية.
لا يمكن فهم المكانة الروحية للمساجد في المجتمع الجزائري دون الغوص في تاريخه الإسلامي، الذي شكّل فصلاً طويلاً ومشرقاً من تاريخه، وإطاراً جامعاً بين كل أطياف المجتمع الواحد، حيث ساهمت هذه الصروح الدينية في صياغة هوية أمة وسطا في جزائر واحدة، موحدة، موحدة.
تجاوزت الكثير من المساجد في الجزائر دورها التقليدي المقتصر على إقامة الصلاة، لتتحوّل الى حواضر علمية روحية وجهادية احتضنت مريدين من مختلف أنحاء العالم، كما احتضنت طلبة علم ومجاهدين، وعملت على شحذ همم الرجال والشباب أثناء الثورة التحريرية.
وتمثل الجزائر بمساجدها لوحة فسيفسائية تجمع بين عراقة التاريخ الإسلامي وعبقرية العمارة والتصميم، حيث تشكل مساجد الجزائر علامة بارزة في نسيجها الحضاري تعكس قروناً من الاهتمام بالدين والعلم والعمارة كركيزة لهوية المجتمع الجزائري.
وتقف المساجد العتيقة بالجزائر كجسور تربط بين ماضي الأمة، حاضرها ومستقبلها، حيث تشكل هذه المعالم شواهد حية على تعاقب الحضارات وتحمل في جدرانها دلائل على دورها التاريخي والفكري والنضالي للشعب الجزائري، مما جعلها ركيزة أساسية في صياغة الهوية الوطنية، وعبر قرون من الزمن ظلت هذه الصروح منارات تذكّر بالأصالة والتمسك بالدين وتحيي قيم التكافل الاجتماعي.
واليوم، لا تزال المساجد الجزائرية محافظة على إرثها وخطابها المعتدل، توجه دقة الشارع الى بر الأمان واحتضانها لفعاليات علمية يساهم فيها أئمتها في الملتقيات العلمية الوطنية وحصص إذاعية وبرامج تلفزيونية تستهدف المجتمع، وتعمل على الخروج به من مربع الآفات الاجتماعية.
ولا ينحصر الإشعاع العلمي والثقافي للمساجد الجزائرية في الداخل فحسب، بل يمتد نوره الى فضاءات الحوار الدولي، حيث نظمت مساجد وهران، تلمسان وقسنطينة وغيرها من المساجد ملتقيات إقليمية ودولية حول السلام، الثقافة الأمن والتنمية، في رسالة واضحة على دورها الايجابي في تنوير المجتمع والحد من الآفات الاجتماعية والانغماس شيئاً فشيئاً في قضايا تهّم الوطن والمجتمع.
وللمساجد في رمضان رمزية خاصة تجمع بين العبادة والتراث والتكافل الاجتماعي، هذه الرمزية الموروثة أباً عن جد، لا تكاد تخلو من مظاهر الفرح الذي يتجسّد في الزخارف والأنوار التي تحيط بباحات المساجد والدروس الدينية وإقامة صلاة التراويح وتكريم حفظة كتاب الله، ما يجعل الشهر الفضيل في الجزائر مناسبة استثنائية لتجديد الإيمان والهوية الوطنية والروابط الاجتماعية تتحوّل على إثرها المساجد الى جسور تربط الأجيال فيما بينها.
الجزائر برؤيتها الثاقبة، جعلت من المساجد مشاريع حضارية خلاقة، فكراً وتأثيراً، فبين جدران هذه الصروح الشامخة، كُتبت قصة الأمة الجزائرية المعتدلة المقاومة، لتبعث للعالم رسالة واضحة المعالم بأن المساجد في الجزائر ليست مجرد ماض اندثر، بل حاضر يُبنى بالوسطية، ومستقبل يُؤسس له بالعلم والانفتاح على الآخر دون انصهار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19711

العدد 19711

الأربعاء 26 فيفري 2025
العدد 19709

العدد 19709

الثلاثاء 25 فيفري 2025
العدد 19708

العدد 19708

الإثنين 24 فيفري 2025
العدد 19707

العدد 19707

الأحد 23 فيفري 2025