كــــيــــف حـــــدث كــــــلُّ هــــــــذا؟

إرهابٍ طاغٍ بحجمِ الخليقة ليقدروا على مواجهة الخليقة

بقلم: علي شكشك

 


كيف حدث ذلك؟ فقد جاء الغزاةُ المستوطنون إلى ديارنا متسللين وتحت حماية حراب الانتداب، جاؤوا إلى شعب آمنٍ يمارس طقوس الحياة والنبات، يغني للماء، ويطرّزُ الأرض بأمشاج روحه، ويصوغها على شاكلته، تحيةً وسلاماً ونزقاً وشوقاً، ويغزل البحر بالرمل والهواء، يربّي مواويله ويقضم الغزاة، لم يغادر سياقه طوال سياقه، الذي اشتبك معه وتشاكل وامتزجت تضاريس الروح بروح التضاريس..



وكان العابرون فيهما بعضَ ندوباتٍ وحشرجاتٍ وتلاوين، بينما يلخص أيُّ موسمٍ كلَّ تكوينات الخلق، البذرُ والغناء وبهجة اللون وطعم الأرض وفيض السماء..
جاء الغزاة ومثّلوا بالمشهد كاملاً، وما يزالون يحاولون الوصول للمقطع السّرّي في هذا الجينوم الفلسطيني، وفي الطريق ساروا على جثث الفلسطينيين وآثارهم وغرسوا بنادقهم وجدرانهم في أفراحهم وصوبوا أكاذيبهم إلى بؤبؤ عيونهم، وحملوهم ذبحاً إلى ما وراءَ أسلاكٍ شائكةٍ، قذفوا بأجسادهم هناك بينما بقيت حبالهم السرية موصولة وممتدة إلى أوّلها تمتح منه ما يكفي من الأمل لإبقائهم لاجئين على قيد العودة، وما يكفي لوضع الراهن جسماً غريباً أو جملةً بلاستيكية بين أقواس الحياة للحبل السري، ومخاضاً اصطناعيّاً مجهَضاً غير قابلٍ للرّحِم، وكان لابدّ من كلّ ما كان ليتمكنوا من حمله على اللجوء لأولِ مرّةٍ في متلازمة الجغرافيا والتاريخ..
 كان لابدّ من إرهاب بحجمِ ثقلِ وفرادة هذا الحدث، وكان لابدّ من تنوّع أشكالِ هذا الإرهاب ليستمر تواصُلُ هذه الحالة، وكان لابدّ من ابتكارِ أنواعٍ جديدةٍ من الإرهاب لقطع الطريق على إمكانيّةِ استعادة تكوينات الخلق واستعادة السياق، وكان لابدّ من تقطيعٍ متواصلٍ لأوتار العود كي يستمرَّ نشاز اللحن، كان لابدّ من توليدِ جدرانٍ وموانع تحول دون تلقائية تدفق النهر وانسياب الجدول، كان لابدّ من طردٍ مواظبٍ ومناسبٍ يعيق ما استطاعوا قانونَ الجذب، وابتكار وسائل قاهرة تعادلُ الإحساس بالجرح..
 كان لا بد من إرهابٍ طاغٍ بحجمِ الخليقة ليقدروا على مواجهة الخليقة، وتأجيل تواصلها، وتزويرٍ مطلقٍ بحجم الحقيقة ليستطيعوا إن استطاعوا تغطيتها، كان لا بدّ من كلّ هذا العنف المادّي الأسطوري الذي يحاولونه لكي يجرفوا كياناً بأكمله من الجغرافيا، وشعباً بأكمله من الوطن، من هنا كانت المذابح القديمة والجديدة وما بينهما، والتي يُقرّون هم أنفسهم أنّه لولاها ما قام (الكيان)، والتي كان آخرها حتى الآن إزالة قرية العراقيب في النقب، والتي تحوّلت إلى أثرٍ في الفترة اللازمة للجرافات كي تتنزه في القرية ماسحةً إياها عن ظهر الأرض، وفي مشهد يكفي وحده لترجمة كلّ ما يُضمرونه لنا، وذلك تحت حراسة الآلة العسكرية، التي تتدخل فقط حين يجب، بينما تترك الأمر مرةً للجرافات ومرة للمستوطنين، وهي نفس الآلة العسكرية التي كانت دائماً حاضرةً وراء كلّ نشاط وكلّ خطاب وكل طاولة مفاوضات، لكنّ هذا العنف المادّي الإرهابي لم يكن وحده كافياً لإدارة الصراع ولا لقطف أحسن ثماره، ناهيك عن حسمه، فقد كان يجب تأهيلُ آلةٍ أخرى تُمهّد وتواكب ثمّ تتجلى في الفصل الأخير، آلة ضرورية وهامّة يتجاوزُ دورُها دورَ الاستشراق الذي مهّدَ للاستعمار القديم وكان أداتَه في ريادة المناطق والشعوب المستعمَرة وتفكيكها وتسهيل استعبادها، بل ويُزيّنُ للمستعمِرين سوءَ استعمارهم كونُه أي الاستعمار عملاً إيجابياً لصالح المنكوبين..
في حالتنا، فإنّ الاستشراق لا يكفي، لأنّه في أسوأ الأحوال يعترف بأنه استعمار حتى ولو ادّعى أنه يجلب (الخير) للسكان الأصليين، فهو يعترف بسكّانٍ أصليين أو ما يُعرَفُ في القواميس بــ(الأندوجين)، الأمر الذي لم يَعدْ مقبولاً في ثقافة العالم الجديدة كصورة من صور النهب والاحتلال والاستغلال، كان لا بد من آلةٍ جديدة تعيد تعريف المنطقة من جديد، وتدّعي إعادة تحريرها، وتُسخِّرُ لذلك جنودَها ومراكزَ أبحاثها والجيولوجيين وعلماءَ الآثار والرساميل وأساطين الإعلام والأيديولوجيين والمهووسين، كما تعيدُ صياغة المفاهيم واختراع جديدها وصقلها وتدويرها في السمع والبصر وقرنِها بشروط بافلوف لتؤدّي الغرض المنوط بها كما ينبغي، ولِصبح الفلسطينيُّ الذي يقاوم الغزوةَ من أوّلها معتدياً، وليصبح الجنودُ المدربون المعتدون المسلحون بالبوارج الحربية أصحابَ حقّ، بينما من يقاومونهم بأيديهم من على سطح سفينة مرمرة إرهابيين ودمويين، آلة تتصدى لمقولات المتصدّين للجدار والمطالبين حتّى بالمساواة بين الضحية والجلاد، وجاهزة لسنِّ قوانينَ جديدةٍ لمن لا يؤمنُ بحقّ الغزاة في امتهانه وسلبه، لمن لا يؤمن أنّ هذا ليس وطنه، آلة تعيد تلوين المفاهيم وتبدأُ الوعي، فلا وعي قبلها، آلةٍ ميزان، تبدأ التعريف، وحولها يطوف الحجيج، أخطر ما فيها أنها تعيد تعريفنا، وأنها تفرضُ تعريفها لنا علينا، وأنها لا تقبلُ منا إنكار تعريفها لنا، وهي آلةٌ تُؤسّسُ للبطش وتُمهّدُ، كما أنّها تُشرّعُ له، لكنّها أيضاً تتسلح به وتفرض نفسَها به، دون أن نغفلَ أنها بحدّ ذاتها تتوفر على قوّة بطشٍ جبارة، تحاصرُ من يتمرّدُ عليها وتعزله، ولها من الامتدادات والأذرع ما يؤهلها لتجريم أعدائها وتشويههم وقطع المدد عنهم وتأليب العالمين ضدّهم، وهكذا يُصبح هَمُّ الكثيرين مجرّدَ إبعاد الشبهة عن أنفسهم، وبذلَ الجهد الجهيد بل واستنزاف كل طاقاتهم وجعل كل رسالتهم في نفي تهمة الإرهاب عنهم، فكيف ولماذا حدثَ فينا كلُّ هذا؟.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19738

العدد 19738

الأربعاء 02 أفريل 2025
العدد 19737

العدد 19737

السبت 29 مارس 2025
العدد 19736

العدد 19736

الجمعة 28 مارس 2025
العدد 19735

العدد 19735

الأربعاء 26 مارس 2025