طباعة هذه الصفحة

اضطلعت بمهام عملياتية ثورية غاية في الأهمية

الشرطــــــــــة الجزائريـــــــــة إبـــــــــان الثّـــــــــورة التحريريـــــــــة

عبد الكريم شوقي جامعة الجزائر 2

 

 يعدّ الأمن مطلبا من المطالب التي تسعى كل المجتمعات البشرية إلى تحقيقها، وتبذل جهدها من أجل استتبابه وانتشاره في أوساطها كي تحقّق لنفسها الطمأنينة والسكون وعدم الخوف والثقة والهدوء والتقدّم والازدهار. ولذلك لا عجب إذا كان مفجرو ثورة نوفمبر عام 1954م الجزائرية، قد أولوا الجانب الأمني اهتماماً كبيراً لما له من أهمية في إنجاحها، فأنشأوا منذ بدايتها. ثم مع مرور السنوات العديد من المصالح الأمنية شكلت الجهاز الأمني إبان الثورة، وعليه أرى - ومن خلال ما تم الوقوف عنده من معلومات ووثائق - أن التسمية المناسبة لذلك الجهاز الأمني الذي أوجدته الثورة التحريرية الجزائرية في مختلف المواقع والأماكن والأزمنة، هي اسم الشرطة الجزائرية إبان الثورة التحريرية والتي شكلت بعد استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال في 5 جويلية عام 1962م، شرطة دولة الجزائر المستقلة، تحت اسم المديرية العامة للأمن الوطني.

ولقد كانت تلك الشرطة إبان الثورة التحريرية تضطلع بمهام وأدوار عملياتية ثورية تدخل في صميم العمل الشرطي كما تشير وتبين ذلك عدة وثائق ومستندات موروثة عن الثورة، بعضها بيانات وأوامر عسكرية وشهادات مكتوبة ووثائق شخصية وأخرى صور جماعية وفردية لعناصر شرطة الثورة محفوظة في أرشيف المتحف المركزي للشرطة الجزائرية تم استغلالها في إعداد هذا المقال.
ولكن يمكن القول إنه رغم أهمية الجانب الأمني في الثورة التحريرية، إلا أنه لم يحظ بالدراسة المعمقة التي تبرز ملامحه وتتبع مراحل تأسيس مصالح الشرطة، وهياكل الجهاز الأمني برمته ودوره في الثورة التحريرية، وتعطيه حقه من البحث والتحليل والتوضيح، ولذلك حرصت في كتابة هذا المقال على الاستفادة مما هو متوفر من الوثائق والشهادات والمؤلفات والمقالات على أمل إعطاء الموضوع بعض حقه في انتظار الظفر بأخرى للتعمق والتوسع أكثر فيه قصد إماطة اللثام على مختلف جوانبه، وإظهار جهود الثورة التحريرية في هذا الجانب.

ميلاد الشرطة الثورية ومهامها
عملت الثورة التحريرية الجزائرية منذ انطلاقتها في أول نوفمبر عام 1954م على تأطير الشعب الجزائري حتى يتمكن من تحقيق أهدافه المتمثلة في استرجاع حريته وكرامته واستقلاله، كما ورد في وثيقة نداء أول نوفمبر 1954م. ومع مرور الأيام والسنوات، تمكن مفجروها من إحكام الإشراف على جميع شؤون الجزائريين، لاسيما بعد مؤتمر الصومام في أوت 1956م، الذي حرص على إيجاد التنظيمات والهياكل التي تخدم ذلك التوجه، ومنها المصالح الأمنية المختلفة المكونة لجهاز الأمن الذي عمل إلى جانب أجهزة الثورة الأخرى على إنجاحها، وتحقيق مقاصدها.
إن الباحث في تاريخ الثورة التحريرية، ولاسيما في التنظيمات التي رافقتها منذ اندلاعها، يجد في بعض وثائقها أن قادتها لم يغفلوا تنظيم قطاع الشرطة، ولا أدل على ذلك من أنهم أوجدوا عدة تنظيمات ومصالح للشرطة الثورية وفروعها، اختلف انتشارها والاهتمام بها من ولاية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وتذكر الوثائق والمستندات المتوفرة عن الموضوع المصالح التالية:
الشرطة الاستعلاماتية للثورية.
شرطة المجالس الشعبية أو ما يعرف بشرطة اللجان الخماسية.
الشرطة العسكرية.
شرطة الحدود.
الشرطة السرية.
قبل الشروع في التعريف بهذه المصالح، يجب التنبيه إلى وجود أسماء أخرى للمصالح الأمنية، ذكرتها الوثائق الأرشيفية والمصادر التاريخية، وشهادات من عايشوا المرحلة، والتي منها:
الشرطة الحربية، الشرطة المدنية، الأمن الثوري، الحرس الثوري، الأمن السري... إلخ.
أما السلطات الاستعمارية الفرنسية فأطلقت على ذلك الجهاز اسم «الشرطة السرية المختصة بالجوسسة»، وبحسب شهادات بعض قادة الثورة التحريرية ومجاهديها، ومتقاعدي الشرطة الجزائرية ممن عايشوا المرحلة، وكذا تقارير الإدارة الاستعمارية ومختلف أجهزتها، فإن الشرطة إبان الثورة بمختلف مصالحها كانت تتألف من أفراد يتم انتقاؤهم. بحيث توفرت فيهم بعض الصفات البدنية والخلقية والمعرفية مكنتهم من الاضطلاع بعدة مهام لعل أهمها وأبرزها:
دعم العمل الثوري وإسناده من خلال حفظ النظام العام، وتنظيم الأمن في القرى والأرياف. والامتناع عن التعامل مع الاستعمار في أي ميدان كان.
توعية الشعب وتأطيره وتجنيده لدعم الثورة بكل الأشكال، وتنفيذ أوامرها
العمل على كشف كل مؤامرات الاستعمار ومساعيه للقضاء على الثورة.
نشر الإشاعات في صفوف قوات الجيش الفرنسي، خاصة بين مجندي الخدمة العسكرية من الفرنسيين، وفرق اللفيف الأجنبي، ولاسيما بين الجزائريين المجندين إجباريا في تلك القوات، قصد دفعهم إلى التمرد والفرار من الجيش الفرنسي، أو من أجل دفعهم للتعامل سرا مع الثورة، وتقديم الدعم لها. وقد استطاعت تلك المصالح الأمنية الاستعلاماتية الثورية إقناع العديد منهم بالفرار، والالتحاق بصفوف جيش التحرير الجزائري، أو رفض التجنيد وعدم الالتحاق بالجيش الفرنسي.
العمل على استمالة بعض الجزائريين العاملين ضمن الشرطة الفرنسية، واقناعهم بضرورة العمل لصالح الثورة. وقد تمكنوا من الحصول منهم على معلومات ووثائق هامة ساعدت بعض المناضلين على الفرار أو التخفي قبل إلقاء القبض عليهم من طرف الشرطة الفرنسية.
مراقبة تحركات المجاهدين داخل الولايات وخارجها، وكذا مراقبة رخص مرورهم الصادرة من قياداتهم المحلية.
الاضطلاع بمهام مراقبة حركة المجاهدين في المناطق الحدودية، وكذا جمع المعلومات التي تخدم الثورة في الوسط الحدودي.
وقد اضطرت السلطات الفرنسية إلى وضع مصالح استعلاماتية مضادة، تمكنت بها من إلقاء القبض على بعض أفراد الشرطة الفرنسية المتعاونين مع الثورة، فتمت تصفية بعضهم. وسجن وتعذيب بعضهم الآخر. وفصلهم وتسريحهم نهائيا من الوظيفة، وتمت أيضا ملاحقة من كانوا يتعاملون معهم من تلك الشبكة. كما كانت قوات الجيش الفرنسي تقوم بممارسة القمع والتعذيب والتنكيل بأبناء الشعب الجزائري العزل في القرى والمداشر والمشاتي، قصد إثبات وجودها وسيطرتها على تلك المناطق، وإفشال أجهزة الثورة الأمنية في توفير الحماية والسلامة للمواطنين فيها.

هيكلة الشرطة الثورية
لقد عرفت الشرطة الثورية هياكلها المختلفة تطورا في تنظيمها ومهامها، لأن قادة الثورة كانوا يستحدثون المصالح الأمنية اللازمة لها، ويضبطون أمورها كلما دعت الضرورة لذلك. وفيما يلي استعراض لمختلف المصالح الشرطية التي استحدثت إبان الثورة على ضوء ما أسعفتنا به الوثائق والمستندات.

الشرطة الاستعلاماتية للثورية
تعتبر أول هيكل أمني ظهر إبان الثورة، حيث كان ميلاده مواكبا لانطلاقتها، ويتألف من رجال منهم من كان مجندا في صفوف جيش التحرير، ومنهم من كان مدنيا يعمل تحت غطاء جبهة التحرير الوطني ويتم اختيارهم أو انتقائهم خصيصا لمثل تلك المهام الحساسة، ممن تتوفر فيهم بعض المواصفات اللازمة مثل دقة الملاحظة، والفطنة والقدرة على التواصل، وسعة المعلومات والقوة التحمل والصبر.. إلخ. وقد كانت لهؤلاء وأولئك اتصالاتهم بمجندي الخدمة العسكرية في قوات الجيش الفرنسي، وفرق اللفيف الأجنبي فيها، وخاصة بالجزائريين المجندين إجباريا لدى تلك القوات كما سبقت الإشارة إليه، وذلك بغرض جمع المعلومات عن تحركات تلك القوات، وأيضا لنشر الإشاعات ضمن صفوفها من أجل دفع أفرادها إلى التمرد والفرار من الخدمة في الجيش الفرنسي، أو للتعامل سرا مع الثورة وتقديم الدعم لها.
وقد استطاعت تلك المصالح الأمنية الاستعلاماتية الثورية إقناع العديد منهم بالفرار من صفوف الجيش الفرنسي إلى الثورة، أو برفض التجنيد. كما أوكلت لهم مهام التصدي للجوسسة الاستعمارية في صفوف جيش وجبهة التحرير الوطني من جهة، والتجسس على القوات والمصالح المدنية الاستعمارية الفرنسية داخل الجزائر وفي المناطق الحدودية المتاخمة؛ لأن الهدف من تلك العمليات التجسسية كان يتمثل في جمع أكبر كمّ من المعلومات عن العدو وأعوانه.
وفي نفس الإطار، تمكنت تلك التنظيمات الأمنية الثورية من إيجاد بعض المتعاونين الجزائريين العاملين ضمن الشرطة الفرنسية والذين زودوا الثورة بمعلومات ووثائق هامة. كما مكّنوا بعض المناضلين من الفرار أو التخفي تجنبا لإلقاء القبض عليهم من طرف الشرطة الفرنسية، الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية إلى وضع مصالح استعلاماتية مضادة، تمكنت من إلقاء القبض على بعض الأفراد من تلك الشبكة، فمنهم من تمت تصفيته مثل حارس الأمن بوعامر أحمد، وحارس الأمن بوجمعة شافعي، وحارس الأمن حاشيشي إبراهيم من طرف دورية عسكرية فرنسية بتاريخ 27 ماي 1957 بطريق الكويف بتبسة، ومنهم من تم سجنه وتعذيبه، ثم فصله وتسريحه نهائيا من الوظيفة، على غرار مجموعة من حفاظ وأعوان الأمن بمنطقة تبسة عام 1957م . ولقد شملت عملية استمالة تلك العناصر كل ربوع الوطن. سواء في القرى أو المدن بما فيها مدينة الجزائر، إذ يذكر المجاهد رابح زراري المدعو الرائد عز الدين أن أحد عناصر شرطة الاستعلامات الفرنسية من الجزائريين المتعاونين مع الثورة والمدعو سعيد نيفيل، كان يزود المجاهدين بكل المعلومات التي تمكنهم من الاطلاع على سير التحقيق مع زملائهم الذين تم إلقاء القبض عليهم.
كما شملت العملية باقي أرجاء الوطن بما فيها أقصى المناطق الجنوبية، حيث وجدت محاولات بهذا الخصوص في بلدة تيميمون وضواحيها بأعماق الصحراء، أي على بعد حوالي 1500 كيلومتر عن مدينة الجزائر، وذلك منذ أوائل عام 1955م، حيث تكفل بتلك الاتصالات مجموعة من المناضلين، وبعض الجزائريين العاملين في سلك الشرطة الفرنسية، تحت إشراف الملازم فرحات بلعيد، وبحسب محمد قنطاري، فإن قيادة الثورة التحريرية الجزائرية، قد أوصت منذ انطلاقة العمل العسكري قبل مؤتمر الصومام، بتطوير شبكة استعلاماتية تتغلغل في صفوف الجيش الفرنسي، وكذا في الأوساط الشعبية، وذلك لجمع أكبر قدر من المعلومات التي تستغل في خدمة العمل الثوري ضد الجيش الفرنسي وإدارته من جهة، وللعمل على كسب تأييد ودعم الشعب الجزائري للثورة من جهة أخرى.
وقد لعبت المرأة الجزائرية دورا هاما وبارزا على مستوى كل أرجاء الجزائر، وبالولاية الثالثة خاصة في دعم الثورة وأجهزتها الأمنية الثورية آنذاك، وذلك بترصد تحركات القوات الفرنسية وأعوانها، وتوصيل الرسائل والمعلومات الأمنية، ونقل الأخبار، وإيواء المجاهدين وإخفائهم وإطعامهم وتمريضهم، فكانت بذلك عنصرا فعالا في نجاح المهام الثورية عامة. ولاسيما المهام الأمنية الاستعلاماتية الشرطية. وقد استمرت تلك المصالح في العمل والجد حتى الاستقلال.

شرطة المجالس الشعبية الخماسية
لقد وضعت الثورة نظما حاولت من خلالها الإشراف على جميع شؤون الجزائريين، حيث كان من بين قرارات مؤتمر الصومام قرار خاص بتنظيم مجالس شعبية منتخبة، والتي يُرْجِعُ البعض بداية إنشائها إلى الأشهر الأولى لانطلاق الثورة عام 1954م. أما بعض قادة المنطقة الثورية الثانية الشمال القسنطيني، ومن بينهم العقيد علي كافي، فقد أكدوا على أن ظهورها كان أول مرة بمبادرة من قيادة المنطقة الثانية، وذلك قبل مؤتمر الصومام 20 أوت 1956م»، بهدف تنظيم الشعب وتأطيره وتعبئته، فكانت قاعدة التنظيم الثوري بالمنطقة. بحيث كانت تضم مسؤولا وأربعة أعضاء يختارون من طرف الشعب، ويكلفون بالجانب المالي والتمويني، والإخباري والأمني، ويساعدهم في ذلك مسؤولو المشاتي والمداشر والدواوير، مما جعل المؤتمرين في الصومام يستوحون من ذلك التنظيم فكرة إقرار الهيكل التنظيمي الوطني الذي سوف يعمم على باقي أرجاء الوطن.
ويقول العقيد لخضر بن طوبال أيضا في ذلك الخصوص مذكرا بدور أفراد المجالس الشعبية في العمل الثوري: (..وفعلا، في ذلك الوقت أكملنا المجالس الشعبية، فالجندي هو ذلك الشعبي الذي يقابل الموت، ويقوم بالحراسة، والدفاع عن الثورة.. وهكذا يمكن القول: إن تنظيم المجالس الشعبية الثوري تنظيم تبناه مؤتمر الصومام في 20 أوت عام 1956م وأقره. وكان من مهامه تسيير جميع الشؤون التي تهم السكان محليا (الإدارية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية العدلية والأمنية الشرطية..)، وكانت المجالس الشعبية تتشكل من خمسة أعضاء اللجنة الخماسية)، أحدهم شغل منصب الرئيس وكان يلقب بشيخ البلدة في بعض المناطق، أما الأربعة الآخرون فاقتسموا بينهم المسؤوليات التالية:
العناية بأحوال السكان المدنية والشؤون الشرعية والإسلامية.
 المالية.
الاستعلامات والدعاية والتعليم العمومي.
 الشرطة والأمن