طباعة هذه الصفحة

اقتصاد مثقل بالديـون وعجز تجاري متفاقم

النظام الفرنسي.. خطاب شعبـوي يقود الحكـومـة إلى الـهـاويــة

علي مجالدي

نفـوذ باريــس الدولـي فـي تراجع غير مسبـوق وينـذر بالأسوإ

تبدو فرنسا اليوم وكأنها تسير في مسار متعثر يقودها نحو أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة. ولم يعد الأمر مجرد خلافات حزبية أو مناوشات بين الحكومة والمعارضة، بل تحوّل إلى أزمة ثقة عميقة تطال جوهر النظام السياسي الفرنسي وقدرته على الاستمرار.

لم تتردد الصحافة الفرنسية والمختصون في الإشارة إلى أن الحكومة الحالية قد فقدت السيطرة على مفاصل الدولة؛ فالأزمة تتجلى في الداخل بوضوح، فيما محاولات تصديرها إلى الخارج، وخاصة نحو الجزائر، لم تحقق سوى مزيدا من العزلة والتوتر.
يعاني الاقتصاد الفرنسي اليوم من اختلالات هيكلية جعلت قدرته على التعافي محدودة وصعبة للغاية. فقد تخطى الديْن العام عتبة خطيرة، والعجز في الميزان التجاري يزداد اتساعًا عامًا بعد عام ويقدر بـ5٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه المؤشرات لا تعكس مجرد خلل مؤقت، بل تبرز فشلًا طويل الأمد في معالجة مكامن الضعف الصناعي والتجاري لفرنسا.
وتحدثت الصحافة الفرنسية عن «تآكل القدرة التنافسية» للصناعات الفرنسية أمام نظيراتها الأوروبية والآسيوية، وهو ما يضع الاقتصاد الفرنسي في موقف هش أمام تقلبات الأسواق الدولية. كذلك، فإن التضخم المستمر وارتفاع تكاليف المعيشة عززا من فقدان الثقة الشعبية في قدرة الحكومة على إيجاد حلول ناجعة.

بين فشل داخلي وتناقضات خارجية

في سياق متصل، حاولت الحكومة الفرنسية إخفاء عجزها الداخلي عبر توجيه الأنظار إلى الخارج، فافتعلت أزمات مع الجزائر واستخدمت ملف الجالية والتأشيرات كورقة سياسية لإرضاء الداخل الفرنسي.
هذا التوظيف السياسي سرعان ما كشف عجز الحكومة، إذ واجهته الجزائر بدبلوماسية صارمة رسخت مبدأ المعاملة بالمثل ورفضت أي مساس بالسيادة الوطنية. علاوة على ذلك، فإن البيان الذي أصدرته السفارة الفرنسية في الجزائر بشأن اعتماد الأعوان القنصليين، مثّل خرقًا واضحًا للأعراف الدبلوماسية، ما دفع وزارة الخارجية الجزائرية إلى استدعاء القائم بالأعمال الفرنسي وتذكيره بأن العلاقات بين الدول لا تُدار عبر البيانات الشعبوية، بل عبر احترام القوانين الدولية واتفاقية فيينا.
وقد أوضحت الجزائر بجلاء، أن ما يجري ليس سوى انعكاس لسياسة فرنسية متعمدة تجاهلت اعتماد ممثليها الدبلوماسيين في فرنسا لأكثر من عامين، وهو ما أضر بمصالح الجالية الجزائرية هناك. وهذه الحقيقة تُظهر أن الحكومة الفرنسية لا تتعامل بجدية مع شؤونها الخارجية، بل توظفها كغطاء لإخفاقاتها الداخلية.

انكشاف التراجع الفرنسي

في نفس السياق، يتفق عدد من المحللين الفرنسيين على أن نفوذ باريس الدولي يشهد تراجعًا غير مسبوق. فرنسا، التي لطالما ادّعت أنها قوة أوروبية مركزية، فقدت الكثير من حضورها في إفريقيا، وصارت تعاني من صعوبة فرض مواقفها حتى داخل الاتحاد الأوروبي. هذه التراجعات لم تأتِ بمعزل عن إخفاقاتها الداخلية، بل كانت نتيجة طبيعية لعجز الحكومة عن صياغة رؤية متماسكة تربط بين الداخل والخارج. علاوة على ذلك، فإن صدامها مع الجزائر لم يحقق أي مكاسب، بل أكد أن باريس تواجه دولة اختارت أن تبني سياستها الخارجية على أسس من الندية والاحترام المتبادل، لا على الضغوط وأساليب الابتزاز.
والموقف الجزائري في هذه الأزمة يعكس تحولا أعمق في سياسته الخارجية، حيث لم يعد يقبل بأي معاملة دونية، بل يفرض احترام سيادته عبر تطبيق صارم لمبدإ المعاملة بالمثل.
هذا الموقف الحازم أكسب الجزائر احترامًا أوسع على الساحة الدولية، وبرز كعامل إضافي يفاقم من أزمة الحكومة الفرنسية التي فشلت في إدارة علاقاتها مع شريك تاريخي وجار استراتيجي. وتجمع أزمة فرنسا الراهنة بين أبعاد داخلية متفاقمة وأزمات خارجية غير محسوبة. فالحكومة التي فشلت في معالجة الديْن العام والعجز التجاري والتضخم، اختارت تصدير أزمتها نحو الجزائر عبر خطاب شعبوي يقوم على صناعة «عدو وهمي»، لكن النتيجة جاءت عكسية. فالجزائر فرضت قواعد جديدة في التعامل، والداخل الفرنسي لم يجد حلولًا ملموسة لأزماته. واليوم تبدو الحكومة الفرنسية في مأزق تاريخي، حيث يصفها كثيرون بأنها الأسوأ في تاريخ الجمهورية، حكومة مكبلة بالديون والتناقضات، وتكاد تفقد ما تبقى من ثقة الداخل والخارج معًا.