طباعة هذه الصفحة

نــــــصّ يـــــحـــــاور الـــــذات والـــــقـــــــارئ..

”مع النّساء ضدّ الحب”.. رحــــلــــة يــــقــــودهــــا محــــمــــد جــــعــــفــــــر

فاطمة الوحش

 

تأتي رواية “مع النساء ضد الحب” للكاتب محمد جعفر، الصادرة مؤخرا عن دار ديوان للنشر بمصر كمحاولة لاختراق المألوف، وتفكيك القوالب التقليدية للسرد. هذه الرواية ليست فقط عن الحب، بل عن العزلة، الإبداع، وصدام المثقف مع واقعه.. هي شهادة على حالة اغتراب تتجاوز المكان والزمان، حيث يتقاطع الشخصي بالعام، والوجداني بالفكري، في نصّ يحاور ذاته وقارئه على حدّ سواء.


تدور أحداث الرواية حول كاتب يحمل اسم المؤلف نفسه، لكنه ليس المؤلف. يعيش هذا البطل في مدينة مستغانم، وسط حياة تتسّم بالرتابة والخواء، حيث يصبح كل شيء محض تكرار لا يفضي إلى جديد. يبحث عن معنى وسط هذا الركود، لكنه لا يجد سوى المزيد من الأسئلة.
الكتابة التي كانت ملاذه ذات يوم، تتحوّل إلى حالة من العجز، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على التقاط واقع يفلت باستمرار. أما الحب، فلا يظهر كملاذ، بل كخدعة أخرى في سلسلة طويلة من الخيبات، فهو ليس تجربة وجدانية بقدر ما هو شكل آخر من أشكال التيه، ووسيلة للهروب من فراغ ممتد.
في هذا العمل، الحب ليس ذلك الشعور الرومانسي الذي اعتدناه، بل هو سؤال معقد. حيث أن البطل يتبنى موقفا متشكّكا وعدائيا تجاه الحب، معتبرا إياه رهانًا خاسرا وخضوعا عبثيا لمشاعر لا يمكن الوثوق بها. ومع ذلك، فإنه يعود إليه مرغما، كما لو أنه يستجديه، وكأن الحب ليس اختيارا، بل لعنة تلاحق الجميع، حتى أولئك الذين يرفضونه. يقول في أحد المقاطع: “كم هم مفلسون أولئك الذين يراهنون على الحب! ثم إني لهذا أشفق عليهم. أما البؤس، فهو ألا تملك منطقك الخاص، فتعيش خاضعًا، وأن تراهن على امرأة بعينها، فذلك أكثر من الخضوع، إنه الإذلال.”
رغم أن أحداث الرواية تبدأ في مستغانم، إلا أن البطل يقرر الانتقال إلى العاصمة الجزائرية، في محاولة لإيجاد شيء مختلف. لكنه سرعان ما يدرك أن الأزمة ليست في المكان، بل في داخله. فالمدينة لا تمنحه ما يبحث عنه، بل تعيد إنتاج مشاعر الغربة ذاتها، وإن بصياغات جديدة. في ظل هذه التيه الوجودي، تصبح الكتابة نفسها موضع شك. هل هي فعل له جدوى؟ هل يمكنها أن تغير شيئًا؟ أم أنها مجرد تمرين عبثي في زمن لا يهتم بالكلمات؟
هذه الرواية لا تتبع بناءً تقليديًا، بل تنقسم إلى مشاهد قصيرة، تتحرك بين التأملات الفلسفية، المواقف اليومية، والحوارات الحادّة التي لا تهدف فقط إلى تحريك السرد، بل إلى نقل أفكار تتحدى القارئ.
جائحة كورونا.. حاضرة..
وسط هذا التيه الوجودي، تحضر جائحة كورونا كعنصر مؤثر في الرواية، ليس فقط كخلفية زمنية، بل كحدث يعمّق الإحساس بالعزلة واللايقين. الجائحة، التي فرضت قيودًا على الحركة والتواصل، لم تفعل سوى تكثيف مشاعر الاغتراب التي يعيشها البطل، حيث أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، والمحاولات القليلة للاتصال بالآخرين تتحوّل إلى رهانات خاسرة.
في زمن أصبح فيه الخوف جزءًا من الحياة اليومية، لم يعد الحب ملاذا، بل بات أزمة إضافية، مرتبطة بالشكوك والحدود المفروضة على الجسد واللقاءات. الجائحة هنا ليست مجرد كارثة صحية، بل اختبار قاسٍ للعلاقات، حيث تتحوّل المشاعر إلى مزيج من التوق والخوف، وتصبح المسافة بين البشر أكبر من مجرّد بضعة أمتار.
بين العزلة والفعل..
ترصد الرواية التحوّلات التي شهدتها الجزائر في السنوات الأخيرة، خاصّة الحراك الشعبي، حيث يظهر المثقف ككيان فاقد للبوصلة، يتساءل عن دوره ومعناه، هل لا يزال قادرًا على التأثير؟ أم أنه أصبح مجرد متفرّج، يراقب العالم وهو يتغيّر دون أن يملك القوّة لفعل شيء؟ لتتحوّل الرواية إلى مرآة للواقع، لكنها لا تكتفي برصد الأحداث، بل تتجاوزها إلى تفكيك الأسئلة الكبرى التي يواجهها الفرد والمجتمع على حدّ سواء.
رواية “مع النساء ضدّ الحب” ليست مجرّد قصّة حب أو سرد لأزمة كاتب، بل هي نصّ مفتوح، يطرح الأسئلة دون أن يقدّم حلولًا. إنها تأمل في الحب، العزلة، الكتابة، ودور المثقف، لكنها لا تحاول تقديم إجابات نهائية، بل تترك القارئ في مواجهة تساؤلاته الخاصّة.