طباعة هذه الصفحة

خطوةٌ إستراتيجية لتكريس السيادة الاقتصادية الجزائرية

الجزائـر المُنتصـرة تُغيّــر قواعـد اللعبـة

علي مجالدي

تصحيـح الخــلل التاريخي من خلال بناء شراكات وفق مبدأ “رابـح-رابـح”

تحقيق التــوازن بــين المصالـح الوطنية ومصالــح الشركاء الدوليين

منذ توقيع اتفاق الشراكة سنة 2002، ظلت الجزائر تعاني من خلل بنيوي في علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي. حيث غمرت الأسواق الجزائرية بالمنتجات الأوروبية التي تتمتع بإعفاءات جمركية في بعض الأحيان، بينما بقيت الصادرات الجزائرية، باستثناء المحروقات، محدودة وغير قادرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية بالشكل المطلوب، ولم يعزّز هذا الوضع فقط التبعية الاقتصادية، بل أعاق أيضًا تطور القطاعات الإنتاجية الوطنية، خاصّة الصناعات التحويلية والزراعية.

يبرز الاجتماع الأخير، التحوّل في النهج الجزائري إزاء هذا الاتفاق. فالرؤية الحالية تركز على تصحيح الخلل التاريخي من خلال بناء شراكات تقوم على مبدأ “رابح-رابح”. وتستند هذه الرؤية إلى معطيات ملموسة، من أبرزها النمو الملحوظ في القطاعات غير النفطية. فعلى سبيل المثال، سجل الإنتاج الفلاحي في الجزائر قفزة نوعية تجاوزت قيمته 37 مليار دولار في عام 2024، ما يفتح آفاقًا لتحويل البلاد إلى مصدر رئيسي لبعض المنتجات الزراعية والغذائية في المنطقة. لكن هذا يتطلب شروطًا تجارية منصفة تسمح بدخول هذه المنتجات إلى الأسواق الأوروبية دون عوائق غير مبررة.
في سياق آخر، يشير الاجتماع إلى إدراك الجزائر لأهمية جذب الاستثمارات الأوروبية المباشرة، لا سيما في الصناعات الناشئة والمشاريع التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة. ورغم العلاقات الاقتصادية الطويلة بين الطرفين، لا تزال الاستثمارات الأوروبية في الجزائر دون المستوى المتوقع، مما يفرض ضرورة مراجعة بنود الاتفاق لتوفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية. ولا تمثل هذه الخطوة فقط محاولة لتحسين العلاقات التجارية، بل هي أيضًا جزء من مسار أوسع لتعزيز السيادة الاقتصادية، حيث تسعى الجزائر إلى تقليل اعتمادها على قطاع المحروقات وبناء قاعدة إنتاجية متينة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
على الصعيد الجيوسياسي، تأتي هذه المراجعة في سياق إعادة ترتيب الأولويات الجزائرية على المستوى الدولي. فالاتحاد الأوروبي يعتبر شريك اقتصادي رئيسي، لكن الجزائر تدرك أن شراكتها مع هذا الكيان يجب أن تكون انعكاسًا لمكانتها الإستراتيجية كقوة إقليمية تتمتع بموارد طبيعية وبشرية هائلة. من هذا المنطلق، تعكس المراجعة رغبة الجزائر في إعادة صياغة علاقتها مع أوروبا على أسس تحترم مصالحها الوطنية وتتيح لها هامشًا أكبر من المناورة في سياستها الخارجية.
وفي هذا السياق فإن، مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ليست مجرد خطوة تقنية لتعديل بعض البنود التجارية، بل هي تعبير عن تحول استراتيجي في الرؤية الاقتصادية والسياسية للجزائر. كما أنها خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية ومصالح الشركاء الدوليين، بما يعزّز مكانة الجزائر كفاعل اقتصادي مستقل وقادر على التكيف مع التحوّلات العالمية والإقليمية، كما يمثل الاجتماع الذي ترأسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بداية مسار يعكس طموح الجزائر لإعادة صياغة علاقاتها الدولية بما يحقّق التنمية المستدامة ويحمي سيادتها الاقتصادية. مسار وإن كان مليئًا بالتحدّيات، يحمل في طيّاته إمكانيات هائلة لإعادة تعريف دور الجزائر كشريك اقتصادي فاعل ومؤثر في محيطها الإقليمي والدولي.